نبذة تاريخية عن حقوق الإنسان


مقدمة

حقوق الإنسان هي مجموعة من المبادئ والمعايير توصلت لها الحضارة الإنسانية لتحديد وتستطير الحقوق الأساسية التي يحق لكل إنسان أن يتمتع بها دون النظر إلي جنسه أو لونه أو عرقه أو دينه.... إلخ. ولم تتبلور هذه الحقوق بين ليلة وضحاها إنما استغرق الوصول لمفاهيم الحقوق الأساسية المعاصرة قرونا طويلة عانت فيها حضارة الإنسان أشد المعاناة، وزهقت أرواح الملايين قبل أن تظهر البوادر الصلبة والثابتة لهذه الحقوق في منتصف القرن العشرين.

تنقسم حقوق الإنسان وفقا لآراء الفقهاء والمحللين إلى 3 أجيال:

  • الجيل الأول: جيل الحقوق المدنية والسياسة ، ويعيد المؤرخون نشأته إلي نهاية القرن الثامن عشر، ونتج عنه العديد من الإعلانات والمواثيق المحلية والإقليمية والدولية، التي أدت بدورها إلي اكتمال بلورة هذه الحقوق في اتفاقيات أممية، وتضمينها في التشريعات والدساتير المحلية لأغلب بلدان العالم.
  • الجيل الثاني: جيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي حازت على اهتمام كبير من قِبل القوي الدولية في خضم الحرب الباردة المحتدمة بين المشروع الليبرالي الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمشروع الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وافضت هذه الحقبة إلي صدور العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أولت دول العالم اهتماماً أكبر لحماية هذه الحقوق عبر دعم التنمية، وتعزيز شبكات الأمن الاجتماعي، وعبر تكثيف الجهود الإنسانية الدولية لمكافحة الفقر بكل أنواعه واشكاله.
  • الجيل الثالث: ظهر مؤخراً ولم يكتمل شكله النهائي بعد، إلا أنه يضم عدداً من الحقوق المستحدثة نسبياً مثل الحق في بيئة نظيفة، وحق المفاوضة الجماعية[1]، وحق تقرير المصير، والحق في المشاركة في التراث الثقافي، والحق في التنمية، والحق في الموارد الطبيعية.

 

حقوق الإنسان قبل الحداثة:

تصارع الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ من أجل إيجاد مفهوم ثابت للحقوق الأساسية للإنسان. في الديانة المصرية القديمة ترسخت مبادئ العدالة والحق في الإله "ماعت"، وتعد هذه المبادىء من أهم ما ترمي إليه حقوق الإنسان المعاصرة. كما أن مصر القديمة كانت تقر بالمساواة بين كل أبناء المملكة (الأحرار فقط دون العبيد) بدون تمييز اجتماعي أو طبقي، وأثبتت وثائق تاريخية أن بناة الهرم الأكبر في عهد الملك خوفو على سبيل المثال كانوا عمالة حرة بالأجر، ووفرت الدولة المصرية القديمة عدداً كبيراً من الحقوق لهم، بالإضافة إلي أجورهم أنشأت لهم بلدة سكنية ومقابر خاصة بهم واعفتهم من الضرائب، ووفرت لهم الغذاء والماء بشكل منتظم.[2]

ومن المذهل أيضا أن مصر القديمة كان بها نظاماً قضائياً، حيث كان يعين الملك أو الوزير نيابةً عنه القضاة للفصل في النزاعات بين الرعايا، ومعاقبة من يكدر السلم والأمن،[3] ولعل كل ما سبق في سياقه التاريخي سابقة تكاد تكون فريدة من نوعها، تلقي الضوء على إدراك واحترام الحضارة المصرية لكرامة وحقوق رعاياها في مرحلة مبكرة جداً من التاريخ الإنساني.

وعلى بعد بضعة مئات من الكيلومترات شرقاً، وعلى ضفاف نهري دجلة والفرات ترعرعت حضارة "بابل" العريقة وأصدر ملكها السادس ما يعرف بشريعة حمورابي – التي تحمل اسمه – وهذه الشريعة تعد أحد أول القوانين المكتوبة لتنظيم المجتمعات. وضمت شريعة حمورابي 282 مادة، شملت حماية حقوق الملكية، والحق في اللجوء للقاضي، ومعاقبة من يعتدي علي الحق في الحياة، وتعويض المتضررين، وحتى حقوق العبيد.[4]

وفي المدن اليونانية القديمة نشأت فكرة الديمقراطية المباشرة وحكم الشعب في عصر كانت تسود فيه الممالك والامبراطوريات، التي كانت تحكم الأمم بيد من حديد. ورغم شكلها البدائي آنذاك إلا أنها وللمرة الأولي قدمت مفهوم الحقوق المدنية والسياسية، وحق الشعب في تحديد مصيره واختيار من يمثله.[5]

 ثم أتت الأديان السماوية بنزول وحي المولي عز وجل على رسله "موسي" و"عيسى" و"محمد" عليهم أفضل الصلاة والسلام، وتسببت نزول الرسالات الثلاثة السامية في صناعة طفرة في حقوق الإنسان الأساسية. ففي لوحي العهد اللذان انزلا علي النبي "موسي" عليه السلام حدد رب العالمين واجبات الفرد نحو الأخرين، وفي ذلك حفظ وتحديد لحقوق الإنسان. أما الكتاب المقدس فقد اظهر دعوة الديانة المسيحية المتكررة لنشر الحب والتسامح ومقاومة الغرائز، كما أقرت المسيحية بالمساواة.

 وأخيرا جاء الإسلام متمما لما جاء من قبله من رسالات حملها الرسل والأنبياء، فقد حمي القرآن الكريم الحق في الحياه عبر تحريم قتل النفس التي حرمها الله، وحمي الإسلام حرية الاعتقاد عندما قال الله في كتابه العزيز في سورة البقرة ""لا إكراه في الدين" وفي سورة الكهف "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وغيرها من السور والآيات التي جعلت من الاقتناع عن نفس راضية دون اكراه من ضروريات الإيمان. وأعطي الإسلام المرأة الحق في الميراث في سابقة تاريخية، بعد إن كان العرب قبل الإسلام يحرمون النساء من حقهن في الميراث.

جذور حقوق الإنسان الحديثة:

رغم الطفرات التي شهدتها الإنسانية على مدار أكثر من 5000 عاماً، إلا أن ملامح حقوق الإنسان الحديثة استغرقت قروناً حتى بدأ تكوينها فعلياً، حيث ظهرت في القرن الـ 13 إرهاصات أولي للمفهوم الحديث لحقوق الإنسان. فى عام 1215 وافق الملك الإنجليزي "جون" علي إصدار الوثيقة العظمي (ماجنا كارتا)، وهدفت هذه الوثيقة إلي الحد من نفوذ الملك، وحماية حقوق النبلاء والكنيسة[6]. وبعدها بعدة قرون في عام 1689 أصدر البرلمان الإنجليزي وثيقة الحقوق لتكون أكثر شمولاً، ولا تقتصر علي حقوق النخبة فقط، ونشأت هذه الوثيقة بعد ثورة 1688 التي أطاحت بالملك "جيمس" وكان الهدف من وضعها بعد الثورة هو التأكيد علي الحد من سلطات الملك، وأن يكون البرلمان والشعب هما مصدر شرعيته، وليس الله كما كان يزعم ملوك أوروبا آنذاك.[7]

وفي عام 1789 بعد نجاح الثورة الأمريكية، وفي خضم اندلاع الثورة الفرنسية صدرت وثيقتان مثلتاً حجر الأساس لترسيخ وتثبيت حقوق الإنسان بمفهومها المعاصر، أولهما:  وثيقة حقوق الولايات المتحدة[8] ، والثانية: إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية بعد اندلاع الثورة ضد الملك لويس السادس عشر بأسابيع[9]. وأكدت الوثيقتان أن الشعب مصدر السلطة والشرعية، وركز إعلان حقوق الإنسان والمواطن على مبادئ المساواة، وإزالة الطبقات وشمول حقوق الإنسان لجميع البشر دون استثناء وليس الشعب الفرنسي فقط.

 ومن هنا بدأت الرحلة الطويلة لبلورة حقوق الإنسان المعاصرة، ورغم وجود هذه المواثيق إلا أن العالم شهد ويلات حروب طويلة ودموية بين القوي الامبريالية المتصارعة وصلت إلى ذروتها في القرن الـ20 باندلاع الحربيين العالميتين اللتين خلفتا أكثر من 70 مليون قتيل، وتزامن ذلك مع صعود الفاشية والنازية والشيوعية السوفيتية. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها تكاتفت الأمم والشعوب وقررت أن تتخذ ما تراه لازماً من إجراءات لمنع وقوع صراعات عالمية أخري، ولِتُجنب البشرية ويلات تكرار الإبادة الجماعية والحد من انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت متفشية في ذلك العصر بصورة مخيفة. وكانت نتيجة هذه المداولات انشاء هيئة الأمم المتحدة عام 1945 على أسس نشر السلام بين الدول وحل الصراعات سلمياً، وتحريم العدوان وتحصين سيادة الدول[10].

ثم في العاشر من ديسمبر عام 1948 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الوليدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأصبح هذا الإعلان ملزماً الزاماً أخلاقياً لدول العالم، كما يشكل الإعلان الإطار العام الذي تنشأ تحت مظلته التشريعات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان[11] مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وجدير بالذكر أن المفكر المصري الراحل الدكتور/ محمود عزمي شارك بفاعلية في صياغة وإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا أن كان يبرهن علي شيء فهو يشكل اثباتاً قاطعاً علي اهتمام مصر منذ زمن بعيد بتعزيز مبادئ حقوق الإنسان دولياً ووطنياً.

في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحالي تم بلورة الإطار العام للقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث صدرت ما بين أعوام 1965 و2006 (10) مواثيق ومعاهدات دولية أساسية معنية بحقوق الإنسان[12]. هذا بالإضافة إلي صدور العديد من البروتوكولات الاختيارية التكميلية لهذه المواثيق. وتتناول كل من الاتفاقيات الـ10 حق معين أو حزمة من الحقوق المتصلة أو فئة مستضعفة أو مهمشة.

 

 

 

حالة حقوق الإنسان المعاصرة:

رغم إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وترسيخ نظام قانوني دولي لتحديد وحماية وتعزيز حقوق الإنسان، إلا ان هذه المنظومة لم يكن لها تأثير فعال وجذري بين ليلة وضحاها. فعلي عكس ذلك تماما استغرقت مختلف دول العالم وقتاً طويلاً حتى تستوعب وتكيف نفسها على ما تفرضه منظومة حقوق الإنسان الدولية من واقع جديد، حتى الدول الديمقراطية المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية واجهت صعوبات، ولم تلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان بشكل فوري، وظلت تتطبق نظام الفصل العنصري في الكثير من ولاياتها، ولم يحصل المواطنون الأمريكيون ذوى الأصول الأفريقية علي كامل حقوقهم في المواطنة والمساواة إلا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. ورغم ذلك لايزال يواجه الأمريكيون ذوي الأصول الإفريقية أشكالاً مختلفة من التمييز المجتمعي.

 وفي مثال أخر قد يكون مفاجئ للبعض، لم تعط سويسرا المرأة حق التصويت على المستوي الفيدرالي إلا في عام  1971 ، رغم أنها أحدى أكثر دول العالم ثراءً، وتمتلك منظومة ديموقراطية فريدة فى نوعها[13]. وبذلك كانت سويسرا متأخرة عن مصر فى هذه الخطوة بـ 15 عاماً، حيث أن مصر كانت قد أعطت المرأة الحق في التصويت في عام 1956.

مغزى هذه الأمثلة هو التأكيد أن منظومة حقوق الإنسان الحديثة وصلت إلي ما هي عليه الآن في العالم المتقدم بعد عملية تطوير وبناء تدريجي للمفاهيم والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في عقول ووجدان المجتمعات. ومن البديهي أن تمر الدول النامية والأقل نمواً بمراحل مشابهة من البناء والتطوير والتثقيف حتى يتثنى لها أن ترسخ ثقافة حقوق الإنسان بشكل كامل في المجتمع، خاصة أن العالم المتقدم لم يحقق بعد هذا الأمر بشكل كامل وشامل.  

 

[1]

[2] https://www.theguardian.com/world/2010/jan/11/great-pyramid-tombs-slaves-egypt

[3] https://www.britannica.com/topic/Egyptian-law

[4] https://web.archive.org/web/20070909114038/http://www.wsu.edu/~dee/MESO/CODE.HTM

[5] https://www.archaeology.wiki/blog/issue/human-rights-in-classical-athens/

[6] http://www.nationalarchives.gov.uk/humanrights/1215-1500/default.htm

[7] https://www.legislation.gov.uk/aep/WillandMarSess2/1/2/introduction

[8] https://billofrightsinstitute.org/founding-documents/bill-of-rights/

[9] https://avalon.law.yale.edu/18th_century/rightsof.asp

[10] https://www.un.org/en/sections/un-charter/un-charter-full-text/

[11] https://www.un.org/en/universal-declaration-human-rights/

[12] https://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/InternationalLaw.aspx

[13] http://history-switzerland.geschichte-schweiz.ch/chronology-womens-right-vote-switzerland.html