واجبات الأفراد في منظومة حقوق الإنسان

بقلم : المستشار / سناء خليل 

من المهم قبل تناول الموضوع طرح إيضاح واجب وشامل لمعني المنظومة الدولية لحقوق الإنسان - للتعريف بالمقصود بها ومعرفة أركانها وأطرافها وأبعادها وأهدافها في ضوء التطورات الطبيعية للنشاط الإنساني والمستجدات العلمية والتكنولوجية والمعطيات التي أفرزها التطبيق العملي وأوجدها الواقع الحالي، وكذا المتغيرات التي طرأت على كافة المستويات الوطنية والإقليمية والدولية من كل الزوايا والجوانب وفي كافة القضايا والموضوعات - وذلك كله في إطار ما يسمح به السياق الموضوعي والعلمي والمنهجي لهذه الدراسة - ونـرى أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان تعنى ما يلي:

 

"مجموعة الحقوق والحريات المرتبطة واللصيقة بكينونة الإنسان والمقررة والمحمية بمقتضى المواثيق الدولية والإقليمية المعنية بها، والتي لا يجوز التنازل عنها أو التصرف فيها أو تجزئتها، والتي يتعين أن يتمتع بها الإنسان منذ لحظة الإقرار بوجوده بوصفه كائناً حياً وإلى ما بعد وفاته، واللازمة لتوفير حياة كريمة له تلبى فيها كافة احتياجاته الأساسية وتحترم آدميته طوال مراحل عمره في كل زمان وأي مكان وتحت أية ظروف، مع بيان الواجبات والمسئوليات التي يتعين عليه القيام بها قبل أسرته ومجتمعه ووطنه والبشرية جمعاء، وهذه الحقوق والحريات والواجبات تلزم السلطة الوطنية (الدولة) من خلال نظامها القانوني والقضائي ومؤسساتها المدنية وهيئاتها وكافة مكوناتها المجتمعية بإقرارها وضمانها وتوفير الحماية الكاملة لها للكافة على أراضيها مع تنظيم ممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم وضمان أداء واجباتهم نحوها بما يحفظ حقوق الآخرين وأمن واستقرار المجتمع وكذا أداء حقوق الأسرة والمجتمع سواء الوطني أو الدولي ومساءلة من يخرج عنها أو يتخلف عن أدائها، وذلك كله في ظل رعاية وإشراف ورقابة المجتمع الدولي من خلال الاختصاصات المقررة للآليات الدولية والإقليمية التي أقرتها المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان".

 

ويشير هذا الإيضاح التعريفي للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان إلى أنها منظومة ذات طبيعة قيمية وأخلاقية وإنسانية - تحمل سمات عامة هي العالمية والديمومة والشمولية والاستمرارية بالتواصل بين الأجيال، وهي سمات لاشك أنها تضع تلك المنظومة في مكان الصدارة وبؤرة الاهتمام لدي كل البشر وعلي كافة المستويات - ويؤكد في ذات الوقت أن حقوق الإنسان أصبحت بجانب كونها منظومة دولية فهي منظومة وطنية كذلك - وباتت بما تحقق من جهود وما تراكم من خبرات وتجارب لها مفرداتها وأدواتها ومراجعها ومصادرها الخاصة وتجاوز الأمر ذلك إلي صيرورتها علم من العلوم الاجتماعية له مناهجه الخاصة المتنوعة والمعنية بالتنشئة أو التدريس أو البحث العلمي والتدريب أو التثقيف والتوعية - حيث يتطلب ضمان توافرها واستمراريتها العديد من المسئوليات والالتزامات والواجبات سواء علي الفرد أو الدولة أو المجتمع الدولي، وهي مجالات كثيرة تفتح الباب للدراسة والبحث بكل الوسائل العلمية والعملية الممكنة في كيفية ضمان رؤية حقيقة في وصف وتشخيص الواقع محل الاهتمام بالأمانة والموضوعية والتجرد وفي كل أبعاده وإمكاناته وخلفياته، وترسم بدقة وسلاسة الطريق الآمن لتحقيق طموحات وآمال المستقبل للأفراد والمجتمعات والشعوب بل والعالم بأسره. 

 

ويشتمل هذا التوضيح التعريفي في مجمله وفقاً لما سبق علي أربعة محاور رئيسية سنعرض لها بقدر مناسب من الإيجاز باعتبارها مقدمة عامة لازمة لتكوين خلفية معرفية تتناسب مع الموضوع والتي مع توافرها يستطيع القارئ المتابعة والتواصل بقدر من الاهتمام والسهولة واليسر، وذلك على النحو التالي:

 

أ - الإنسان: 

وهو محور هذه المنظومة باعتباره الكائن الوحيد المميز والذي كرمه وميزه الله بنعمة العقل، وهو القدرة على حرية الاختيار والإرادة في اتخاذ القرار للتعبير عن الاختيار – والعقل هو مقياس وأساس مسئولية الإنسان عن أفعاله سواء في علاقته بخالقه أو في علاقاته مع الآخرين، كما وإن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يتعين أن يعيش مع آخرين - وتهتم هذه المنظومة بالحقوق والحريات الذي يجب أن يتمتع بها الفرد في المجتمع الذي يتواجد به منذ لحظة الإقرار قانوناً بوجوده كجنين وحتى ما بعد وفاته وتهتم كذلك بالواجبات والالتزامات والمسئوليات التي يتعين عليه القيام بها للحفاظ علي نفسه وأسرته وأمن واستقرار المجتمع الذي يعيش فيه وحقوق وحريات الآخرين الذين يشاركونه هذا المجتمع. 

 

ب – مجموعة الحقوق والحريات والواجبات:

وهى حصاد ونتاج كل ما تم من جهود وممارسات وتجارب وخبرات إنسانية طوال رحلة التواجد البشرى على الأرض والتي ساعد في بلورتها وصياغتها العديد من الروافد التاريخية سواء من خلال ما جاءت به العقائد والأديان السماوية أو ما سطرته الحضارات القديمة أو الأنظمة القانونية الوضعية أو الأنظمة الاجتماعية والثقافات المختلفة على مر العصور - وهى جملة كافة الحقوق والحريات الواجب أن يتمتع بها كل إنسان في المجتمع الذي يعيش فيه واللازمة لتوفير حياة كريمة له تحترم فيها آدميته وكيانه وهى لذلك تعد غير قابلة للتصرف أو التنازل أو التجزئة باعتبار أن تحقق أي من ذلك يعني الانتقاص من صفته كإنسان. 

 

كما وأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يتعين أن يعيش في ظل "العلاقات" مع آخرين يتبادل معهم المصالح والمنافع وهو سياسي بطبعه كذلك إذ يشارك في إدارة الشئون العامة في مجتمعه، وبالتالي فأن الوجه الأخر لكافة الحقوق والحريات هي الواجبات والمسئوليات التي يتعين عليه أن يحافظ عليها في علاقاته داخل مجتمعه لصالح الآخرين فضلاً عن واجباته تجاه الأسرة والمجتمع والوطن – وتمثل الواجبات والالتزام بها وتنفيذها نقطة التوازن التي تقوم عليها دعائم الأمن والاستقرار المجتمعي.

 

وتتميز مجموعة الحقوق والحريات والواجبات رغم المحاولات السابقة لحصرها في وثائق وطنية لبعض الدول أو في إطار المجتمع الدولي، بأنها قابلة للتجديد والإضافة في ضوء التطورات والمستجدات العلمية والعملية والاجتماعية وما قد ينشأ عن هذه المتغيرات من ظروف قد تشكل مساساً بالحقوق والحريات وصوراً جديدة للاعتداء عليها أو ينشأ عنها واجبات جديدة علي عاتق الإنسان، ويعتبر الحق في البيئة والسلام والتنمية من حقوق وواجبات الجيل الثالث لحقوق الإنسان.

 

ج – السلطة الوطنية:

يقصد بالسلطة الوطنية "الدولة" بشكلها الحديث والمتعارف عليه بالقانون الدولي وهى السلطة التي يتم اختيارها من الشعب بكامل إرادته وحريته وبطريقة ديمقراطية لإدارة شئونه، والتي يقع علي عاتقها هدف ومسئولية الحفاظ علي أمن واستقرار الوطن من خلال توفير وإقرار وحماية مجموعة الحقوق والحريات للأفراد التي تمثلهم والعمل علي أدائهم للواجبات الضامنة لحقوق المجتمع - وتتشكل الدولة من سلطات ثلاث وهى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتعمل كافة السلطات من أجل تحقيق هذا الهدف لمواطنيها ولكافة من يتواجد على أراضيها - من خلال ما تصدره السلطة التشريعية من قوانين منظمة للعلاقات بين الأفراد والمحددة لضوابط ممارستهم للحقوق والحريات بما يحقق الحفاظ على حقوق وحريات الآخرين وعدم الإضرار بهم وأداء الواجبات الضامنة لحقوق المجتمع، وكذا ضمان التزام السلطة التنفيذية في أدائها لمهامها بهذه القوانين من خلال الآليات الوطنية المتنوعة المنشأة لهذا الغرض سواء كانت نيابية أو محلية أو قضائية أو كيانات اجتماعية معنية (المجتمع المدني)، وتوفر السلطة القضائية المستقلة وسائل الانتصاف والحماية لمن تتعرض حقوقه أو حرياته لأية انتهاكات سواء من خلال الأفراد أو نتيجة تعسف السلطة التنفيذية - وذلك بمعاقبة المتسبب إن كان الفعل جريمة وتعويض المضرور عن الأضرار التي لحقت به والمساءلة عن التخلف أو التقصير في أداء الواجبات الضامنة لحقوق المجتمع.

 

د – رقابة وإشراف المجتمع الدولي:

يقصد بالمجتمع الدولي المنظمات الدولية الحكومية على مختلف مستوياتها (الأمم المتحدة) أو الإقليمية (التجمعات الإقليمية الأوروبية والأمريكية والأفريقية والعربية)، وما أنشأته تلك المنظمات من آليات للرصد والمراقبة بهدف متابعة أداء الدول الأطراف لالتزاماتها الناشئة عن انضمامها لتلك المنظمات أو للاتفاقيات الصادرة عن هذه المنظمات والمعنية بحقوق الإنسان ومساءلة الدول الأطراف عن الإخلال بها أمام الآليات الدولية والإقليمية المنشئة لهذا الغرض في الحدود والضوابط المقررة بالاتفاقيات المنشئة لها وفي ضوء ما وافقت عليه الدول الأطراف بوثائق انضمامها، وتوفر هذه الآليات للفرد ضحية الانتهاك في بعض الأحوال صفة الشخصية القانونية الدولية بمنحة الحق في اختصام الدول الأطراف لدى الآليات الدولية والإقليميـة سالفة الذكر بعد استنفاذ وسائل الانتصاف الوطنية، لتصحيح ما لديها من أوجه عوار بالنظام القانوني الوطني بالمخالفة للاتفاقية المعنية نتيجة عدم كفاية النصوص القانونية السارية أو خلو التشريع الوطني من مواجهتها - والذي نتج عنه حدوث الانتهاكات محل الشكوى لأي إنسان على أراضيها وتعويض المجني عليه عنها بالتعويض المناسب والجابر للضرر.

 

مقدمة وتمهيد :

في ضوء التعريف المبسط للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان ومعرفة أركانها وأطرافها وأبعادها وأهدافها فإن وجوب ومقتضيات وجود الإنسان في حياة اجتماعية مشتركة مع آخرين يستوجب بالضرورة أن كل حق أو حرية قائمة أو تتقرر للإنسان أو يطالب بها ويسعي إليها، تفرض عليه في مقابلها العديد من الواجبات ومسئوليات تتلخص فيما يلي: 

 

أولاً: واجب احترام جميع الحقوق والحريات وحمايتها للآخرين الذين يشاركونه في مجتمعه والالتزام بالسلوكيات الدالة علي ذلك بالحرص علي عدم الإضرار بهم وذلك في إطار كل من المبدأين الأساسيين "أنت حر ما لم تضر، وأن حريتي تنتهي حين تبدأ حريات الآخرين". 

 

ثانياً: واجبات والتزامات ومسئوليات تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه بل والعالم بأسره والبشرية جمعاء وعدم جواز التخلف عن أدائها - إذ أن كل من الحقوق والواجبات في حقيقة الحال وجهين لعمله واحدة هي منظومة الحياة الاجتماعية المشتركة.

 

ومن هذا المنظور فلا يمكن تصور أن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحرياته وهي تحصي وتحدد وتعدد الحقوق والحريات التي يتمتع بها الإنسان وترسم ملامحها وتضع سياجاً قوياً لضماناتها وسبلاً عديدة لحمايتها – أن يغيب عنها أو تغفل تناول هذا الوجه الهام والضروري لمنظومة حقوق الإنسان، وهو الواجبات والمسئوليات التي يتعين علي الإنسان الالتزام بالقيام بها والسلوكيات الواجب عليه إتباعها للحفاظ علي استقرار تنمية واستدامة الحياة المشتركة في المجتمع الذي يعيش فيه بل الذود والدفاع عنه - وقد تناولت تلك المواثيق هذه الواجبات والمسئوليات بعضا منها إجمالاً أو ضمناً أو مقرونة ببعض الحقوق أو الحريات وبعضاً آخر أوردها تفصيلاً. 

 

وإذا كانت الحقوق والحريات كانت محل الأولوية والاهتمام العالمي والوطني والعلمي في كل المجالات بحكم النص علي المسئولية عن انتهاكها أو الاعتداء عليها والالتزام بنشر التوعية بها - إلا أننا سنعني في هذه الدراسة بقدر من التفصيل بالواجبات والمسئوليات الملقاة علي الإنسان من جانب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ذاتها التي رسخت وحددت وعنيت بحقوقه وحرياته – إذ أن الواجبات والمسئوليات لم تنل حظها من إلقاء الضوء عليها رغم وجوبها وأهميتها في إيجاد التوازن المطلوب الضامن لاستقرار ونمو المجتمع – فضلاً عن الغياب غير المبرر لجهود تعزيز ثقافة الالتزام بالواجبات والمسئوليات والتوعية بها لترسيخها من خلال المراحل التربوية والمصفوفة التعليمية والممارسات الحياتية اليومية للأفراد هو أمر حتمي يؤدي إلي إيجاد البنية والبيئة الاجتماعية الصالحة بالنسبة للكافة للاستمتاع والانتفاع بالحقوق والحريات المقررة والمحمية. 

 

وسنعرض لبعض المواثيق التي عنيت بشكل مباشر لهذا الأمر سواء في الإعلانات الدولية والإقليمية والاتفاقيات الإقليمية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة وبمراعاة الترتيب التاريخي لكل تصنيف منها وهي:

1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948(1). 

2. الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان عام 1948(2).

3. الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان 1950(3).

4. الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان عام 1969(4).

5. الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب 1981(5).

6. الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004(6).

7. الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام 1966(7).

 

أولاً : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الوثيقة العالمية الأولي والذي تأسست بصدوره المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وقد أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في باريس في 1948/12/10 بالقرار رقم 217 ألف (د-3) وكانت مصر من بين الدول الأعضاء بالأمم المتحدة التي شاركت وساهمت في صياغته وإعداده وإقراره – وقد خلت ديباجة الإعلان ومقدمة قرار إصداره من الإشارة إلي الواجبات ولكن تناول الإعلان الواجبات التي يتعين علي الفرد الالتزام بها قبل المجتمع بنص واضح بالمادة التاسعة والعشرون منه حيث أوجزت هذه الواجبات وأجملتها فيما يلي:

 

1. على كل فـرد واجبـات نحـو المجتمع الذي يتـاح فيه وحـده لشخصيته أن تنمـو نمواً حراً كاملاً .

2. يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.

3. لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

 

ونرى أن عدم الإشارة في ديباجة الإعلان إلى ما يتعلق بالواجبات المفروضة علي الإنسان كان أمراً غير موفقاً - ربما جاء نتيجة طغيان القضايا الأساسية محل الوثيقة بالنظر للظروف التاريخية والواقع المعاصر لصدورها والتأثير المباشر للفظائع والأهوال التي نشأت عن الاحتراب الدولي في حربين عالميتين أضاعت علي البشرية النصف الأول من القرن العشرين وربط ذلك بالانتهاكات الحاصلة لحقوق الإنسان – علي نحو ما أشارت إليه ديباجة ميثاق إنشاء الأمم المتحدة - إلا أن ذلك تم تداركه إلي حد ما وعلي استحياء بالمادة 29 من الإعلان سالف الذكر ولعل الإيجاز الذي صيغت به هذه المادة يؤكد حرص من شارك في وضعه علي ألا ينسب إليهم إغفال هذا الجانب الهام في الموضوع محل الوثيقة - وفي ذات الوقت فإن هذا الإيجاز في ذاته ليس مقبولاً إلي هذا الحد في سياق الطبيعة الحقوقية والدولية للوثيقة. 

 

وقد أشارت المادة إلى ثلاثة محاور تقوم عليها الواجبات هي وجبات المجتمع ومقتضياته - وشروط ممارسة الحقوق والحريات وحدودها - ثم عدم التعارض مع أغراض الأمم المتحدة، وسنشير إلي هذه المحاور بقدر من الإيضاح. 

 

المحور الأول: واجبات الأفراد قبل المجتمع:

نص البند الأول على أنه هناك ثمة واجبات حتمية علي الأفراد قبل مجتمعه الذي تنمو فيه شخصيته نموا حرا – ولم يتطرق الإعلان لتحديد أو حصر أو تعريف لها علي نحو ما سار عليه الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان السابق صدوره علي الإعلان بشهور قليلة - على نحو ما سوف نشير إليه لاحقاً. 

وقد غلب علي واضعي هذا النص الأخذ في الاعتبار أن واجبات الأفراد تتحدد وتتشكل وفقاً للقواعد وللمعايير الأخلاقية والإنسانية ثم الضوابط التي يفرضها الانتماء الوطني والهوية الثقافية والتي قد تتنوع في إطار الظروف والممارسات والإشكاليات التي تتعرض لها المجتمعات – والتي في الغالب يستند جميعها إلي مجموعة القيم الإنسانية والأخلاقية لمعاني العطاء والتضحية وإنكار الذات ومساعدة الآخرين والذود عن الوطن وحمايته من الأخطار والحفاظ على الثوابت الأساسية لتماسك البنيان الاجتماعي والأسري وللتقاليد والعادات التي يستقر ويتحقق بها أمن وسلامة المجتمع وتصان من خلالها الحقوق والحريات لجميع أفراده. 

 

المحور الثاني : شروط ممارسة الأفراد للحقوق والحريات: 

نص البند الثاني علي خضوع ممارسات الأفراد لحقوقهم وحرياتهم المنصوص عليها في الإعلان بوجه عام للقيود – وذلك في إطار الضوابط والاعتبارات التي أوجب علي المشرع الوطني الالتزام بها عند ممارسة اختصاصاته في إصدار القوانين المنظمة لممارسات الأفراد للحقوق والحريات وأجاز وضع القيود عليها ولكن بشرط أن تكون تلك القيود يقررها القانون فقط وذلك لضمان الاعتراف والإقرار بحقوق الغير وحرياته المعترف بها واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي. 

 

ويعني ذلك أن كل الحقوق والحريات التي نص عليها الإعلان صالحة لفرض القيود والضوابط اللازمة لتنظيم ممارساتها في السياق المجتمعي القائم والتي يضعها وينص عليها القانون في إطار الضوابط المشار إليها – وتعد بطبيعة الحال كافة المعايير والضوابط التي يضعها المشرع الوطني لتنظيم ممارسات الأفراد لحقوقهم وحرياتهم واجبات يتعين أن يلتزم بها الأفراد وذلك تأكيداً وحرصاً علي مصلحتهم أولاً ولمصلحة الآخرين الذين يشاركونهم في المجتمع في ذات الوقت - وهو ما يشكل في تقديرنا الواجب الأساسي علي الإنسان قبل مجتمعه وهو احترام حقوق وحريات الآخرين.

 

ومفاد ذلك أن من يملك وضع القيود علي ممارسات الأفراد لحقوقهم وحرياتهم هو القانون والحكمة المبتغاة من ذلك أن تصدره السلطة التشريعية المنتخبة التي يختارها الشعب في مجتمع ديمقراطي وأن تكون هذه القيود في إطار قانون يمر في سياق الإجراءات والضوابط المقررة لعمل السلطة التشريعية بما يضمن رضاء وقبول وموافقة أغلبية أفراد المجتمع الذي ستسرى عليه وعلمه بها بواسطة نشر القوانين علي الكافة طبقاً للأصول القانونية المرعية. 

 

ويفسر هذا البند كذلك أن الضوابط أو القيود التي يترخص القانون في النص عليها ليست قوالب أو أنماط صالحة في كل المجتمعات وفي كل الظروف فمن البديهي إن ما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لمجتمع أخر – وأن الاختلاف والتباين بين المجتمعات في ممارسات الأفراد للحقوق والحريات أمر حتمي وطبيعي إذ ستحدد نطاق الممارسات وفقاً لما يضعه القانون بكل مجتمع في ظل ما يواجهه من ظروف ومتغيرات وما تفرضه البيئة الثقافية والجغرافية وغيرها من أوضاع سياسية أو اقتصادية وما يحيط بها من أحداث وما يواجهه من تحديات وما يصبو إليه المجتمع ذاته من طموح وآمال وذلك كله يجب أن يكون من أجل الصالح العام والحفاظ علي الهوية الوطنية والأعراف والتقاليد التي تحافظ علي تماسك واستقرار وسلامة وأمن المجتمع.

 

المحور الثالث : الحرص علي أغراض الأمم المتحدة : 

أورد البند الثالث أنه لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها وهو أمر طبيعي فليس من المعقول أن تكون ممارسة الحقوق والحريات تتم بطريقة تنافي أو تتعارض مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة وهي المنظمة الصادر في إطارها الإعلان ذاته – والواقع أن هذا النص أوجد نوعاً من المسئوليات الدولية علي الأفراد والدول بأن تكون ممارستهم للحقوق والحريات تتفق مع كل ما يصدر عن الأمم المتحدة من اتفاقيات أو قرارات في أطار أهدافها ومبادئها وقد أوضحت ذلك صراحة المادة الأخيرة من الإعلان والتي نصت علي "ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه"، وهو نص أغلق الباب أمام التأويلات والتفسيرات التي يمكن أن تتعرض لها نصوص الإعلان بالنظر لاختلاف اللغات والترجمات ومن كل المستويات بهدف تبرير الانتهاكات أو التنصل من الالتزامات. 

 

وعن أهداف الأمم المتحدة فقد نصت عليها المادة الأولي من الميثاق وهي بإيجاز حفظ الأمن والسلم الدولي وإنماء العلاقات الودية بين الأمم وتحقيق التعاون الدولي علي حل المسائل الدولية وعلي تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للبشر جميعاً بلا تمييز – عن مبادئها فقد نصت عليها المادة الثانية وهي باختصار المساواة في السيادة بين الدول والقيام بالالتزامات الناشئة عن العضوية بحسن النية وحل المنازعات بالطرق السلمية وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أو استقلال أية دولة ومساعدة الأمم المتحدة في إعمالها وتشجيع التزام الدول غير الأعضاء بهذه المبادئ.

 

ويتضح مما سبق أن البند الثالث من المادة 29 من الإعلان ورد في إطار النظر في المسئوليات والواجبات المسندة للأفراد والدول في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتي استفاض في إيضاحها لاحقاً كل من إعلان طهران الصادر عن المؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان في 13مايو 1968 والذي اهتم بظواهر الجحود بحقوق الإنسان مثل استمرار العنصرية والاستعمار وإعلان وبرنامج عمل فيينا الصادر عن المؤتمر الدولي الثاني لحقوق الإنسان في 25 يونيو 1993.

 

وفي هذا السياق فقد صدر عن الأمم المتحدة عام 1998 إعلان حقوق ومسئوليات الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع المدني في تعزيز حماية الحقوق والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً(8) وقد تناول هذا الإعلان الواجبات من زاوية المسئوليات الملقاة علي عاتق الدولة والمواطنين والمجتمع المدني حيال تعزيز الحقوق والحريات المعترف بها دولياً وليس في إطار ما هو واجب في ذاته، وأوردت المواد 14 و 15 و 16 و17 و18 هذه المسئوليات حيث عددت كل من المادتين 14 و15 المسئوليات الملقاة علي عاتق الدولة وفي مقدمتها نشر القوانين والاتفاقيات ذات الصلة ودعم المجتمع المدني وحرية تداول المعلومات وتدريس حقوق الإنسان في مراحل التعليم المختلفة، وتناولت المادة 16 مسئوليات المنظمات غير الحكومية بنشر الوعي الجماهيري، ومفاهيم التسامح والسلم والعلاقات الودية بين الأمم وأشارت كل من المادتين 17و18 إلي الالتزامات الملقاة علي عاتق الأفراد وهي الالتزام بما يفرضه القانون من قيود في إطار المعايير ذات الصلة والالتزام مع الآخرين ومنظمات المجتمع الوطني في صون الديمقراطية وتعزيز الإعمال الفعال للحقوق والحريات. ونرى أن ذلك يعد امتداداً وتوضيحاً وتفسيراً للبند الثاني من المادة 29 من الإعلان المتعلق بشروط ممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم. ولم تشر هذه الوثائق من قريب أو بعيد إلي الواجبات والمسئوليات المفروضة علي الأفراد إلا في إطار تعزيز الحقوق والحريات المنصوص عليها.

 

ويجب في هذا السياق إلا يغيب عنا أن الإعلان رغم ما حظي به من قيمة أدبية واهتمام عالمي باعتباره الوثيقة الأولي في عهد الأمم المتحدة المؤسسة للمنظومة العالمية لحقوق الإنسان كما يعد يوم إصداره هو اليوم العالمي للاحتفال بحقوق الإنسان - إلا أنه من وجهة نظر القانون الدولي فهو وثيقة غير ملزمة لخلوها من المسئولية عن الخروج عنها وهو الأمر الذي تداركته الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صدرت لاحقاً - ألا أنه يلاحظ إن إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الصادر عام 2000 عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد قرر في البند خامساً بالفقرة العاملة (25) احترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتقيد بأحكامه.

 

ثانياً : الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان:

صدر هذا الإعلان بالقرار رقم (30) عن المؤتمر الدولي التاسع للدول الأمريكية (بوجوتا كولومبيا إبريل عام 1948) وهو الإعلان الأول علي المستوي الإقليمي ويسبق في تاريخ صدوره الإعلان العالمي - وقد حمل عنوانه كلمة "الواجبات" مرادفاً للحقوق وهذا في ذاته يحمل من المعاني والمفاهيم الكثير ويوجز قاعدة أساسية إن كل حق وحرية للإنسان يقابلها واجب مراعاتها وضمانها بل وحمايتها للآخرين وقد أشار الإعلان في صدارة ديباجته لهذا المعني ببلاغة واضحة إذ أوردت:

 

"إن الوفاء بالواجبات من قبل الفرد هو مطلب أساسي بالنسبة لحقوق الكافة والحقوق والواجبات متلازمة في كل نشاط اجتماعي وسياسي للإنسان – فبينما الحقوق ترفع من قدر الحرية الشخصية فإن الواجبات تعبر عن جلال تلك الحرية. والواجبات ذات الطبيعة القانونية تسلم جدلاً للآخرين بطبيعة أخلاقية تدعم هذه الواجبات من حيث المبدأ وتكون أساساً لها".

 

وأشار الإعلان إلي الحقوق والحريات في مواده الأولي وأورد في المادة 28 حكماً عاماً بأن هذه الحقوق تتقيد بحقوق الآخرين وأمن الكافة ومتطلبات الصالح العام وتعزيز الديمقراطية – وأفرد الإعلان الفصل الثاني للواجبات ( المواد من 29 – 38 ) ومعنوناً تلك المواد بالتالي واجبات تجاه المجتمع، تجاه الأبناء والأباء، واجبات فردية تتعلق بالتعليم والتصويت في الانتخابات وطاعة القانون وخدمة المجتمع والأمة والسلام الاجتماعي والصالح العام ودفع الضرائب والعمل لكسب الرزق والامتناع عن الأنشطة السياسية في الدول الأجنبية. 

 

ويلاحظ أن الإعلان الأمريكي قد تناول واجبات الأفراد بشكل أكثر تفصيلاً وبموضوعية وبمنهجية إذ انتهج تصنيفا علميا بدءاً بالمجتمع ثم ألأبناء والإباء ثم واجبات علي الفرد ثم واجبات الصالح العام وهو نجاح يحسب للإعلان الأمريكي بفعل التكوين الديموجرافي لشعوب أمريكا اللاتينية والخلفية التاريخية لها والظروف السياسية والاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك ولكن هذه الوثيقة بما اشتملت عليه من واجبات صاغت بقدر كبير من الوضوح رؤية الشعوب الأمريكية لهذه الواجبات باعتبار أن الوفاء بها مطلب أساسي بالنسبة لضمان حقوق الكافة علي نحو ما ورد بديباجة الإعلان. 

 

ثالثاً : الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان:

صدرت الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان عام 1950 وأعقبها الميثاق الاجتماعي بالبروتوكول الإضافي الصادر عام 1961 – و بالرغم من أن ديباجة الاتفاقية أوردت أن الإعلان العالمي يهدف إلي ضمان العالمية والاعتراف الفعال برعاية الحقوق الواردة به - إلا أنها جاءت ملتزمة بتفعيل البند الثاني فقط من المادة 29 من الإعلان العالمي والخاص بالقيود المتعلقة بممارسة الحقوق والحريات ونصت علي جواز فرض القيود علي ممارسة بعض الحقوق والحريات المنصوص عليها والمحددة مثل حرية التعبير والعقيدة وحرية الاجتماعات وتكوين الجمعيات والنقابات أو في أحوال الطوارئ مستلهماً ذات الضوابط المقررة بالبند الثاني المشار إليه وهي القيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصالح أمن الجمهور وحماية النظام العام والصحة والآداب أو لحماية حقوق وحريات الآخرين.

 

ولم يتم الإشارة لواجبات أو مسئوليات الأفراد المجتمعية المنصوص عليها بالبند الأول من المادة سالفة الذكر كواجبات أو مسئوليات على الأفراد الالتزام بها سواء لصالح نفسه أو لصالح أسرته ومجتمعه ووطنه وكذا لم يشر للواجبات المفروضة لصالح المجتمع الدولي بأسره عملاً بالبند الأخير من المادة 29 من الإعلان – وقد رددت المادة 17 من الاتفاقية نص المادة 30 من الإعلان العالمي الخاصة بحظر التأويل بما يخول أي دولة أو جماعة أو فرد القيام بأي نشاط يهدف لهدم الحقوق والحريات أو فرض قيود غير واردة بالاتفاقية. 

 

رابعاً: الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان: 

صدر في إطار منظمة الدول الأمريكية في سان خوسيه في 1969/11/22 – وأشار في ديباجته إلي الاستناد إلي الإعلان العالمي والوثائق الدولية المستحدثة في هذا المجال آنذاك ولم تشر الديباجة للواجبات - وتضمن في المادة 30 نطاق القيود التي يمكن فرضها علي التمتع وممارسة الحقوق والحريات بأن يكون ذلك بموجب القانون وبهدف الصالح العام كما تضمن الإشارة إلي واجبات الأفراد بشكل موجز في المادة 32 والتي عنونت بالعلاقة بين الحقوق والواجبات ونصت علي أنه "علي كل فرد مسئوليات تجاه أسرته ومجتمعه والبشرية جمعاء وأن حقوق كل فرد في مجتمع ديمقراطي مقيدة بحقوق الآخرين وبالأمن الجماعي وبالمتطلبات العادلة للخير العام ". 

 

وبالرغم من أن صدور الميثاق الأمريكي عام 1969 جاء بعد صدور الإعلان العالمي والإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان السابق الإشارة إليهما والذي يعتبر كل منهما مصدراً أساسياً له بشأن الواجبات - إلا أن الميثاق الأمريكي لم يلتزم بما ورد بهما بشكل عام إنما انتهج إلي حد كبير ما ورد في الإعلان العالمي بالنص العام علي الواجبات مع الإشارة تحديداً إلي أن هذه الواجبات تجاه الأسرة والمجتمع والبشرية جمعاء مع الإشارة إلي نطاق التقييد للحقوق والحريات وإجازة لصالح حقوق الآخرين وبالأمن الجماعي وبالمتطلبات العادلة للخير العام. 

 

خامساً : الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب:

صدر الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في إطار منظمة الوحدة الأفريقية عام 1981 وقد أوردت ديباجة الميثاق الرؤية الأفريقية في هذا الأمر إذ تري الدول الأفريقية إن التمتع بالحقوق والحريات يقتضي إن ينهض كل إنسان بواجباته ـ كما أفرد الميثاق لواجبات الأفراد باباً خاصاً هو الباب الثاني، ويعتبر ذلك مما يتميز به هذا الميثاق الإقليمي وقد عدد الميثاق الواجبات المفروضة على الأفراد في المادتين 28 و 29 وهي:

 

إن على الفرد الواجبات الآتية:

1. احترام ومراعاة أقرانه دون أي تمييز والاحتفاظ بعلاقات تسمح بالارتقاء بالاحترام والتسامح المتبادلين وصيانتهما وتعزيزهما. 

2. المحافظة على انسجام تطور أسرته والعمل من أجل تماسكها واحترامها كما أن عليه احترام والديه في كل وقت وإطعامهما ومساعدتهما عند الحاجة .

3. خدمة مجتمعه الوطني بتوظيف قدراته البدنية والذهنية في خدمة هذا المجتمع .

4. عدم تعريض أمن الدولة التي هو من رعاياها أو من المقيمين فيها للخطر .

5. المحافظة على التضامن الاجتماعي والوطني وتقويته وخاصة عند تعرض هذا التضامن لما يهدده .

6. المحافظة على الاستقلال الوطني وسلامة وطنه وتقويتهما وأن يساهم بصفة عامة في الدفاع عن بلده طبقاً للشروط المنصوص عليها في القانون .

7. العمل بأقصى ما لديه من قدرات وإمكانات ودفع الضرائب التي يفرضها القانون للحفاظ على المصالح الأساسية للمجتمع .

8. المحافظة في إطار علاقاته مع المجتمع على القيم الثقافية الأفريقية الإيجابية وتقويتها وبروح من التسامح والحوار والتشاور والإسهام بصفة عامة في الارتقاء بسلامة أخلاقيات المجتمع .

9. الإسهام بأقصى ما في قدراته وفى كل وقت وعلى كافة المستويات في تنمية الوحدة الأفريقية وتحقيقها.

 

ويبين من تلك الرؤية الأفريقية للواجبات المقابلة للحقوق والحريات المحمية - تمحورها حول القيم والأخلاقيات الإنسانية وتضمنت واجبات الفرد حيال نفسه وأسرته ومجتمعه – وذلك يقارب إلى حد بعيد النسق الذي سار عليه الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان الصادر في أبريل عام 1948 السابق الإشارة إليه - وهو الأمر الذي نري معه أن شعوب كل من التجمعين الدوليين المشار إليهما يتفقان إلي حد بعيد في رؤيتهم لأهمية وأولوية الواجبات الإنسانية بحكم الخلفيات التاريخية ومعاناة مجتمعاتهما وشعوبهما من الاستعمار وما صاحبه من استغلال واستنفاذ لثرواتهما ومواردهما الطبيعية لآجال طويلة وغياب الإرادة الوطنية التي ترنو للصالح العام والخير والرفاهة لها وذلك وما نتج عنه في الوجدان الجمعي لتلك الشعوب الحرص علي قيمها وأخلاقياتها وهويتها وترسيخ وإزكاء الإحساس الوطني لدي شعوبها بالمحافظة على تماسك البنيان الأسري والتضامن الاجتماعي والوطني والحفاظ علي مقدرات وثروات واستقلال وسلامة الوطن والدفاع عنه لمواجهة تواصل تفوق وطغيان الدول المستعمرة الناتج عما صاحب الاستعمار من استنفاذ هائل لثرواتهم لصالح الدول المستعمرة مما أدي إلى استمرار الخلل غير المبرر في موازين القوي الاقتصادية العالمية والتي مازالت الدول السابق استعمارها تدفع فاتورته حتى الآن. 

 

سادساً : الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004:

أقره مؤتمر الرؤساء بتونس في مارس عام 2004 ( وقعت مصر على الميثاق في 5/9/ 2004 وصدر القرار الجمهوري رقم 249 لسنة 2018 بانضمام مصر للميثاق وصدق عليه مجلس النواب في 2019/1/15 جارى إتمام إجراءات النشر والتصديق) وقد أوضحت ديباجة الميثاق تأكيدها الدول العربية عليً مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وأحكام العهدين الدوليين للأمم المتحدة بشأن الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيمانها بسيادة القانون ودوره في حماية حقوق الإنسان في مفهومها الشامل والمتكامل. 

 

وقد نصت المادة الأولي من الميثاق علي أن " يهدف هذا الميثاق في إطار الهوية الوطنية للدول العربية والشعور بالانتماء الحضاري المشترك إلى تحقيق الغايات التالية :

• وضع حقوق الإنسان في الدول العربية ضمن الاهتمامات الوطنية الأساسية، التي تجعل من حقوق الإنسان مثلاً سامية وأساسية توجه إرادة الإنسان في الدول العربية، وتمكنه من الارتقاء بواقعة نحو الأفضل وفقاً لما ترتضيه القيم الإنسانية النبيلة.

• تنشئة الإنسان في الدول العربية على الاعتزاز بهويته وعلى الوفاء لوطنه أرضاً وتاريخاً ومصالح مشتركة ، مع التشبع بثقافة التآخي البشرى والتسامح والانفتاح على الآخر، وفقـاً لما تقتضيه المبـادئ والقيـم الإنسانيـة وتلك المعلنـة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان .

• إعداد الأجيال في الدول العربية لحياة حرة مسؤلة في مجتمع مدني متضامن قائم على التلازم بين الوعي بالحقـوق والالتـزام بالواجبـات، وتسـوده قيـم المساواة والتسامح والاعتدال .

• ترسيخ المبـدأ القاضي بأن جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة.

 

ويبين مما ورد بديباجة الميثاق والنص سالف الذكر أن الميثاق العربي لم ينتهج ما سار عليه كل من الميثاقين الأمريكي والأفريقي بالنص صراحة علي واجبات أو مسئوليات الأفراد، إنما أشار في الديباجة إلي المفهوم الشامل والمتكامل لحقوق الإنسان فضلا عن الإشارة العابرة بالفقرة (ج) من المادة الأولي المتعلقة بإعداد الأجيال لحياة حرة مسؤلة في مجتمع مدني متضامن قائم على التلازم بين الوعي بالحقـوق والالتـزام بالواجبـات، وتسـوده قيـم المساواة والتسامح والاعتدال – ويعد الربط بين الوعي بالحقوق والقيام بالواجبات تقاربا مع ما ورد في ديباجة الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان من "إن الوفاء بالواجبات من قبل الفرد هو مطلب أساسي بالنسبة لحقوق الكافة والحقوق والواجبات متلازمة في كل نشاط اجتماعي وسياسي للإنسان – فبينما الحقوق ترفع من قدر الحرية الشخصية فإن الواجبات تعبر عن جلال تلك الحرية".

 

وعن ممارسة الحقوق والحريات أوردت المادة 24 حكماً عامًا لبعض الحقوق والحريات هي حرية الممارسة السياسية والمشاركة في إدارة الشؤون العامة والترشيح في الانتخابات أو اختيار من يمثله بطريقة حرة ونزيهة وعلى قدم المساواة بين جميع المواطنين والحق في تقلد الوظائف العامة في بلده على أساس تكافؤ الفرص وفي حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين والانضمام إليها وحرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية – وضع الميثاق حكماً عاماً بأنه لا يجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق المشار إليها بأي قيود غير القيود المفروضة طبقاً للقانون، والتي تقتضيها الضرورة في مجتمع يحترم الحريات وحقوق الإنسان لصيانة الأمن الوطني أو النظام العـام أو السلامة العامة أو الصحـة العامة أو الآداب العامة أو لحمـاية حقوق الغير وحرياتهم وقد تكرر ذلك في بعض الحقوق والحريات الأخرى مثل الحق في التعبير والحرية الدينية. كما نص بالمادة الرابعة كذلك علي إجازة فرض القيود بصفة مؤقتة علي ممارسة بعض الحقوق والحريات في أحوال الطوارئ بضوابط وإجراءات معينة واستثني من ذلك بعض الحقوق والحريات التي لا يجوز فرض القيود عليها حتى في حالة الطوارئ. 

 

ويتضح من ذلك اتجاه الميثاق العربي إلي عدم الإشارة لواجبات الأفراد وانتهج ما ورد بالاتفاقية الأوروبية والميثاق الأمريكي والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية بشأن إعمال الآثار القانونية للبند الثاني فقط من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان علي بعض الحقوق والحريات الواردة تحديداً وإن كان الميثاق العربي توسع في الحقوق والحريات التي لا يجوز فرض القيود عليها في حالات الطوارئ والظروف الاستثنائية.

 

سابعاً : الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية: 

صدرت الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية في إطار منظمة الأمم المتحدة عام 1966 وقد أشارت ديباجة الاتفاقية في فقرة الأخيرة أن الدول الأطراف "وتقديراً منها لمسئولية الفرد، بما عليه من واجبات تجاه الأفراد الآخرين والمجتمع الذي ينتمي إليه، في الكفاح لتعزيز الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية ومراعاتها" ولكن انتهجت الاتفاقية نسقاً آخر إذ لم تشر للواجبات المفروضة علي الأشخاص بشكل مستقل وإنما أشارت إلي أجازة فرض القيود علي بعض الحقوق والحريات في أحوال الظروف الطارئة والاستثنائية بضوابط وأجال محددة - وكذا على بعض الحقوق والحريات مثل الحق التعبير والحصول علي المعلومات والتجمع السلمي وحرية العقيدة واحترام الحياة الخاصة والتملك وممارسة النشاط السياسي للأجانب واشترطت بأن تكون تلك القيود بموجب القانون وللصالح العام وبهدف الحفاظ علي حقوق وحريات الآخرين – ودلالة ذلك أمرين الأول أن الاتفاقية حددت مجال إعمال البند الثاني من المادة 29 من الإعلان العالمي وأغفلت ما قررته ألفقره الأولي بشأن واجبات الأفراد تجاه المجتمع والأمر الثاني أن ما تقرره التشريعات الوطنية من قيود أو ضوابط أو تنظيم علي ممارسة هذه الحقوق الحريات هي في حقيقتها تمثل الواجبات التي من المفروض علي الأفراد الالتزام بها حيال المجتمع. 

 

ولبيان ذلك تفصيلاً ما ورد في المادة 18 الاتفاقية بشأن حرية الفكر والضمير والديانة إذ قررت أنه لا يجوز إخضاع أحد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد التي يختارها وأن تخضع حرية الفرد في التعبير عن ديانته أو معتقداته فقط للقيود المنصوص عليها في القانون والتي تستوجبها السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية والمادة 19 بشان حرية التعبير فنصت علي أن ترتبط ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذه المادة بواجبات ومسئوليات خاصـة وعلى ذلك فإنها قد تخضع لقيود معينة ولكن فقط بالاستناد إلى نصوص القانون، والتي تكون ضرورية من أجل احترام حقوق أو سمعة الآخرين من أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق والمادة 21 بشأن الحق في التجمع السلمي فأجازت وضع القيود علي ممارسته تمشياً مع القانون والتي تستوجبها، في مجتمع ديمقراطي، مصلحة الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم والمادة 22 بشأن الحق في تشكيل النقابات والانضمام إليها وأجازت وضع القيود على ممارسة هذا الحق بموجب القانون والتي تستوجبها، في مجتمع ديمقراطي، مصالح الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم ولا تحول هذه المادة دون فرض القيود القانونية على أعضاء القوات المسلحة والشرطة في ممارسة هذا الحق.

 

وقد تكرر ذات الأمر في ديباجة ونصوص الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهي الاتفاقية القرين والتوءم للاتفاقية سالفة الذكر والصادرة أيضاً عام 1966 وذلك بالنسبة للحقوق الواردة فيها (المادة الرابعة) وكذا الحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها.

 

ويعني ذلك أن أي من الاتفاقيتين المشار إليهما لم يلتفت لما ورد بالبند الأول من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن واجبات الأفراد تجاه المجتمع رغم كونه المصدر المباشر لهما كما لم تساير الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان الصادر 1948 قبل صدورهما فيما ذهب إليه في هذا الشأن علي نحو ما سلف بيانه وأغفلت كل من الاتفاقيتين الإشارة للواجبات أو المسئوليات التي يتعين علي الأفراد الالتزام بها قبل الأسرة والمجتمع والوطن وهو الأمر الذي جاء متفقاً و مسايراً لوجه نظر الدول الأوربية التي وردت بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الصادرة عام 1950 - وذلك يؤكد أن رؤية المجتمع الدولي تقوم علي الاكتفاء بما أشير إليه في الديباجة من أن واجبات الأفراد تجاه الآخرين والمجتمع الذي ينتمي إليه هي في الكفاح لتعزيز الحقوق والحريات المقررة في الاتفاقية الحالية ومراعاتها دون النظر لأية واجبات أخري وهو ما يؤكد الاتجاه لإعمال البند الثاني فقط من المادة 29 من الإعلان العالمي. 

 

نظرة تحليلية 

لتناول واجبات ومسئوليات الأفراد بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان

 

بعد استعراضنا لكيفية وطريقة تناول المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان لمسألة الواجبات الفردية والمسئولية الاجتماعية – يبين أن كافة المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان استندت سواء فيما أشارت إليه بديباجاتها أو أوردته في نصوصها عن واجبات الأفراد إلي تلك إلي ما ورد بالبندين الأول والثاني من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. 

 

لذا سنتناول تلك المسألة من ثلاثة زوايا الأولي عن موقف الاتفاقيات الدولية والإقليمية من تلك البنود التي نصت عليها المادة 29 من الإعلان - ثم دور الآليات الدولية المعنية بمتابعة أداء الدول الأطراف لما ورد بشأنها - ثم معايير وضوابط التعامل الوطني مع واجبات الإنسان. 

 

أولاً: موقف الاتفاقيات الدولية والإقليمية من الإعلان العالمي :

نشير بداية إلي أن الإعلان العالمي هو المصدر الرئيسي لكل المواثيق الدولية والإقليمية المعنية التي تتابعت عقب صدوره بغية إسباغ القوة الإلزامية علي ما ورد فيه من حقوق وحريات وإنشاء الآليات الدولية والأممية والإقليمية للمساءلة والمتابعة علي نحو ما سبق بيانه - وقد تباين الموقف الدولي والإقليمي في التعامل مع ما ورد في بنود المادة 29 من الإعلان بشأن الواجبات علي النحو التالي: 

 

• بالنسبة لما نص عليه البند الأول من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي أورد انه علي كل فرد واجبات نحو المجتمع دون النص عليها تفصيلاً فأن بعض المواثيق الدولية لحقوق الإنسان غلب عليها هذا الاتجاه - وهو ما يعني ترك المهمة إلي القوانين الوطنية التي لها أن تحدد هذه الواجبات والمسئوليات من خلال وضع الأطر القانونية لها في ظل مراعاة المنظومة القيمية والأخلاقية الفطرية للإنسان والهوية الوطنية والصالح العام ودواعي الاستقرار المنشود للمجتمع ولم يخرج عن هذه القاعدة سوي الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والذي نص علي تلك الواجبات تفصيلاً علي نحو ما سلف بيانه.

 

• بالنسبة للبند الثاني من المادة 29 من الإعلان المتعلق بجواز فرض القيود علي الممارسات الفردية للحقوق والحريات - فقد تناولت جميع الاتفاقيات الدولية والإقليمية هذا الأمر ونصت علي جواز فرض القيود ولكن علي بعض الحقوق والحريات ذات الطبيعة المجتمعية بضوابط معينة وهي لا تخرج في مضمونها عن الضوابط التي أوردها البند الثاني لاتصالها بحقوق وحريات الآخرين والصالح العام - ذلك علي الرغم من أن جواز فرض القيود علي ممارسات الأفراد للحقوق والحريات جاء مطلقاً بالإعلان العالمي – كما أجازت تلك المواثيق في أحوال الطوارئ والظروف الاستثنائية جواز فرض القيود علي الحقوق والحريات ولكن فقط بشكل مؤقت وبضوابط خاصة وحظر ذلك بصفة نهائية لعدد من الحقوق والحريات الواردة تحديداً. 

 

• بالنسبة للبند الأخير من المادة 29 من الإعلان والمتعلق بعدم مناهضة أغراض الأمم المتحدة وهي الواجبات والمسئوليات المفروضة لصالح المجتمع الدولي والبشرية جمعاء وكذا ما نصت عليه المادة 30 من الإعلان الخاصة بالتفسير أو التأويل الهادف لهدم الحقوق والحريات فلم تشر إليه أي من المواثيق سوي المادة 17 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ويمكن تفسير ذلك بأنها من الالتزامات المقررة طبقاً لميثاق الأمم المتحدة وما يصدر عنها من اتفاقيات وقرارات ومن الطبيعي الالتزام بها من خلال الالتزامات الناشئة عن عضـوية الدول بالأمم المتحدة. 

 

ثانياً : دور الآليات الدولية في التعامل مع واجبات الأفراد : 

أن الآليات الدولية والإقليمية المعنية بمتابعة أداء الدول الأعضاء في الاتفاقيات الدولية والإقليمية معنية فقط بالتزامات ومسئوليات الدول حيال تعزيز الحقوق والحريات محل الحماية ومواجهة الانتهاكات الحاصلة عليها ومدي موائمة القوانين الوطنية المنظمة للحقوق والحريات المنصوص عليها مع الضوابط والإجراءات المقررة لفرض القيود طبقاً لما ورد بشأنها في الاتفاقية ذات الصلة والتي تتخذ من البند الثاني من المادة 29 من الإعلان مصدرا لها - وبالتالي فإنه لا مجال لتناول أي من البندين الأول والثالث من المادة سالفة الذكر بشأن واجبات الأفراد المجتمعية والدولية وتظل بذلك بعيدة عن تناول متابعة وإشراف تلك الآليات لها.

 

وعن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وهو الميثاق الوحيد الذي أدرج في نصوصه واجبات الأفراد - فإن اللجنة الأفريقية المنبثقة عنه وهي من الآليات الإقليمية - لم تحظ مسألة الواجبات المنصوص عليها بالمادتين 28 و 29 من الميثاق بالاهتمام الكافي في أعمال اللجنة أو تعقيباتها أو توصياتها الصادرة عن مناقشاتها لتقارير الدول المقدمة لها وإنما يتم تناولها بشكل تقريري وسردي دون النظر في المسئولية عن الإخلال بها والضوابط المتعلقة بالجزاء عن مخالفتها ومدي مسئولية الدولة عنها. 

 

ثالثاً: معايير وضوابط التعامل الوطني مع واجبات الأفراد : 

وفي ضوء ما تقدم فأن التعامل مع واجبات الأفراد يكون طبقاً لهذه المنظومة أمراً مطلقاً للسلطة الوطنية ممثلة في المشرع الوطني الذي يتحمل منفرداً عبء التعرض للمسئولية المجتمعية والدولية للأفراد وصياغتها عن طريق تقرير وتحديد واجبات ومسئوليات الأفراد المجتمعية والدولية من خلال ما يصدره من قوانين في هذا الشأن تتضمن وضع العقوبات المناسبة للتخلف عن أدائها ومساءلة الخارجين عنها لما يشكله هذا الخروج من أضرار ومساس بحقوق المجتمع الوطني والدولي.

 

ويجب الأخذ في الاعتبار أنه قد تستلزم الطبيعة القانونية لعدم ممارسة بعض الحقوق والحريات المسئولية الجنائية مثل عدم المشاركة بالتصويت في الانتخابات أو التهرب من التعليم أو الإضرار بالبيئة لما يشكله ذلك من إضرار بالمجتمع، كما يمثل عدم أداء الواجبات العامة كذلك مجالا للمساءلة الجنائية في بعض الأحوال مثل الإخلال بالوجبات الأسرية أو عدم سداد الضرائب أو التهرب من الخدمة العامة أو إفشاء إسرار الدولة. 

 

ويعد من أهم تلك الواجبات العامة الوطنية والدولية الحفاظ علي الهوية الأساسية للتكوين الاجتماعي وتماسك المجتمع ونبذ التمييز والتفرقة العنصرية وحماية البيئة والدفاع عن الوطن ومحاربة بعض السلبيات التي تعاني منها المجتمعات مثل التهرب من سداد الضرائب ومواجهة الأمية والتسرب من التعليم وحماية المال العام والتمييز ضد المرأة وحماية الأطفال وبصفة خاصة مكافحة الفساد والذي لم تنجو منه أعرق المؤسسات الجامعية والعلمية والرياضية ومناهضة ومكافحة الإرهاب الذي ضرب بغير هوادة كل دول العالم معرضا البشرية جمعاء.

 

وعموماً يضيق المجال في هذا البحث للخوض تفصيلاً في مسألة الواجبات المجتمعية والوطنية أو الدولية وحصرها وتحديدها ولكن يمكن الاستهداء بما ورد في كل من الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والإعلانات الدولية ذات الصلة والبناء علي ما ورد فيها لإعداد وثيقة دولية أو وثائق إقليمية جديدة يضاف إليها المستجدات التي طرأت علي المجتمعات الوطنية والمجتمع الدولي والواجبات والمسئوليات الناشئة عنها في ضوء المعطيات العلمية والتكنولوجية الحديثة.

 

التوصيات 

1. أنه علي الفرد واجب عام هو احترام حقوق وحريات الآخرين في كافة صور ودوائر العلاقات الإنسانية - من خلال الالتزام بالمنظومة القيمية والأخلاقية السائدة وبالقوانين التي ارتضاها المجتمع لتنظيم الممارسات المتعلقة بهذه العلاقات الإنسانية سواء ما يتعلق بالفرد شخصياً أو ما يمس أسرته أو مجتمعه ووطنه وعدم الخروج عنها وتحمل التبعات القانونية الناشئة عن ذلك – وبطبيعة الحال فإن مواجهة الإخلال بالواجبات تقع علي عاتق القوانين الوطنية التي تقرر جزاء الإخلال عن عدم الالتزام بها سواء في نطاق المسئولية الجنائية بالنسبة لما يعد جريمة طبقاً للقانون أو في نطاق المسئولية المدنية في غير ذلك من الأحوال ويجب علي المشرع الوطني تحقيقاً للصالح العام وضماناً لجدية التزام الأفراد بأداء الواجبات والقيام بالمسئوليات التي يقررها القانون مراعاة العقوبات المناسبة وتجنب العقوبات الهشة غير المؤثرة والدافعة لتجاهلها والتخلف عنها.

 

2. إن إغفال الجهود والمواثيق الدولية تناول واجبات ومسئوليات الأفراد قبل المجتمع الوطني خاصة تلك التي تتعلق بالمفهوم الجمعي والمجتمعي - وكذا عدم الاهتمام الكافي من المجتمع الدولي وهياكله بالبندين الأول والثالث من المادة 29 من الإعلان العالمي بشأن الواجبات والمسئوليات المجتمعية للأفراد وعدم مناهضة أغراض الأمم المتحدة الهادفة إلي صالح البشرية جمعاء – أدي إلي إغفال جهود التعريف والتوعية بواجبات الأفراد لترسيخ الترابط والتلازم بينها وبين الحقوق والحريات علي النحو الذي أشارت إليه المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان - وهو الأمر الذي نري معه العمل علي تشجيع الجهات الوطنية المعنية والمنظمات غير الحكومية للقيام بهذا الدور علي المستوي الوطني عملاً بالمواد 14 و 15 و 16 من إعلان الأمم المتحدة في هذا الشأن والسابق الإشارة إليه لنشر الوعي الجماهيري ومفاهيم التسامح والسلم والعلاقات الودية بين الأمم.

 

3. أن عدم الالتزام بتناول موضوعات وقضايا واجبات الأفراد تجاه المجتمع الوطني والدولي علي النحو الوارد بالبندين الأول والثالث من المادة 29 بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان - والذي تضمن إعلان الألفية بالأمم المتحدة التزام الدول الأعضاء بوجوب احترامه والالتزام بتنفيذه - نتج عنه بشكل مستمر وبسرعة مذهلة - ظهور العديد من الممارسات السيئة والعنيفة والمخالفات الفجة والظواهر الإجرامية في كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحت ستار التفسيرات غير السوية للحقوق والحريات نتيجة عدم ربطها مع ما تفرضه من واجبات – والتي ساعد علي ارتكابها وانتشارها في كافة دول العالم دون حدود أو قيود الاستخدام غير المسئول والمغرض للتقنيات العلمية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي والتي وضعت المجتمع الدولي مؤخراً في حيرة بحثاً عن السبل المناسبة لكيفية الحد منها وكبح اندفاعها وتغولها وتدارك أخطارها وآثارها الضارة بصفة خاصة علي الحق في الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة والتحريض علي الكراهية والتمييز علي أساس ديني وتشجيع الجرائم الإرهابية – الأمر الذي يوجب علي المجتمع الدولي التصدي لذلك والعمل بشكل جاد علي إيجاد الحلول للإشكاليات والشواغل المتعلقة بشعوب ودول العالم وإقرار سبل للتعاون الدولي لمواجهة ومكافحة تلك الأضرار. 

 

4. أن ما ورد في كل من الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان والميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وإعلان الأمم المتحدة عام 1998عن حقوق ومسئوليات الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع المدني في تعزيز حماية الحقوق والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً وإعلان الأمم المتحدة عام 2000 بشأن الألفية وما ورد بوجه عام في باقي المواثيق الدولية السابق الإشارة إليها – نري أنه يصلح لأن يكون منطلقاً جيداً لتتبني مصر دعوة المجتمع الدولي عامة وبصفة خاصة كل من التجمعين العربي والأفريقي ( بمناسبة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي هذا العام) – للبدء في إعداد وثيقة دولية أو إقليمية جديدة لتحديد واجبات الأفراد ومسئولياتهم المجتمعية علي المستوي الوطني والدولي وتصنيفها بشكل واضح وملموس علي أن تتضمن هذه الوثائق وضع إلية للمتابعة والتوعية وإلزام الدول بوضع نظام للمساءلة عن الإخلال بالواجبات أو المسئوليات - مع دمج هذه الجهود مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان لتكتمل المنظومة الاجتماعية الوطنية الدولية بالربط الواجب والتلازم المنشود بين الحقوق والواجبات. 

 

5. أن إصدار هذه الوثيقة المقترحة سوف يتحقق به كثير من الفوائد والنتائج الإيجابية وهي:

 

أ - تعزيز الوعي والإدراك باحترام القانون الوطني الذي هو صمام الأمان والمدخل الطبيعي والسبيل الوحيد لتأكيد الالتزام باحترام الأفراد لحقوق الآخرين وحرياتهم المقررة بكافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتبصير بالمسئولية عن مخالفتها - وهو في ذات الوقت - أمراً محل إجماع بكافة المواثيق المشار إليها. 

ب – أن توحيد مضامين هذه الواجبات والمسئوليات الشخصية أو المجتمعية أو الوطنية أو الدولية في وثيقة دولية واحدة - يؤدي إلي ترسيخ المعرفة بها لدي الأفراد ويساعد علي تكثيف جهود وخطط وبرامج التوعية بها وبأهميتها في تثبيت النسيج الاجتماعي الوطني وأحداث التفاهم الدولي حول المسئوليات العالمية في مواجهة العديد من القضايا الهامة ذات الطابع العالمي ويشجع علي خلق أجواء تنافسية بين الدول والأفراد في الدعوة إليها والالتزام بها والتشجيع والتحفيز علي أدائها و نبذ التخلف عنها ومخالفتها – مما ستنعكس أثاره الإيجابية علي أمن واستقرار المجتمع الوطني والدولي. 

ج – إن وجود وثيقة دولية أو إقليمية معنية بواجبات الأفراد ستشكل مرجعاً ومصدراً رئيسياً في هذا الشأن وبالتالي ستدعم وتوحد وتسهل مجهودات الدول في التعامل المنظم والعلمي والقانوني مع ما تفرضه المنظومة الدولية لحقوق الإنسان من واجبات ومسئوليات علي الأفراد تجاه أسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم وعالمهم – ليرتقي بالالتزام بأدائها ويتحقق بالنجاح فيها ما تصبو إليه جهود البشرية جمعاء. 

وختاماً يجب علينا الدعوة إلي ترسيخ الإيمان بالمنظومة الدولية والوطنية لحقوق الإنسان وأن نعمل جميعاً وبإخلاص تحت شعار أنه: ”إذا كانت ممارسة الحقوق والحريات ترفع من قدر الإنسان وتحترم آدميته - فأن التزام الإنسان بأداء واجباته ومسئولياته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه والبشرية جمعاء هو تعبير عن عظمة جوهر إنسانيته“