حقوق المواطنة بين الدستور المصري والمواثيق الدولية

بقلم : الدكتور المستشار/ تامر ريمون فهيم 
رئيس بهيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا

 

إن مصطلحات الديمقراطية والمواطنة والدولة المدنية مفاهيم حديثة نشأت ثم تطورت في الدول المدنية الحديثة، وتقوم تلك المفاهيم على تساوي أبناء الوطن دون تمييز بين رجال ونساء، أو أغنياء وفقراء؛ أو أي تمييز من كافة النواحي الدينية والفكرية والاجتماعية....إلخ.

 

ومع نشأة الدولة الحديثة في بلادنا، انبثق من رحمها مبدأ المواطنة من الناحية الدستورية والقانونية، إلا أنه من الناحية الفكرية والمجتمعية مازلنا في مجتمعنا نقدم خطوة ونؤخر أخرى، يشدنا أحياناً بريق قيم المواطنة، فندفع المجتمع نحوها، ويشدنا أحياناً بعض الأفكار الرجعية، فنعطي ظهورنا للمواطنة بل وللإنتماء للدولة، بحيث يصبح الانتماء الديني بديلاً للانتماء الوطني(1).

 

إن مبدأ المواطنة يشكل أحد الأسس الدستورية في الدولة الحديثة، ومن خلاله يتشكل البناء الدستوري والسياسي. وتشكل المواطنة عنصر من العناصر الأساسية للأمن الإنساني، فهي تمنح الإنسان الشعور بالإنتماء، وتعطيه الحق في حماية الدولة. كما تكفل الأساس الدستوري لممارسة العديد من الحقوق المدنية والسياسية، بل هي العمود الفقري لكافة الحقوق والحريات، فضلاً عن أنه في شيوع ثقافة المواطنة، تأكيد لثقافة الديمقراطية. 

 

إن مبدأ المواطنة بمثابة شهادة التأمين الحقيقية للمجتمع العصري السليم، الذي يحترم المقدسات ويسقط الفوارق بين الملل والمعتقدات، فهو ينمي الإحساس بالولاء والانتماء للوطن، بإعتبار أن المواطنة هي مصدر الحقوق والواجبات بالنسبة للمواطن أو من يحمل جنسية الدولة محل المواطنة، دون تمييز عرقي أو طائفي أو ديني أو أي نوع آخر من التمييز(2).

 

مفهوم المواطنة: 

كلمة مواطنة من الناحية اللغوية: مشتقة من كلمة وطن. والوطن يعني المنزل الذي يقيم فيه الإنسان. ويُقال وطن بالمكان، أي أقام فيه وإتخذه موطناً، أي قطن وآمن في هذا المكان.

 

الموطنة إصطلاحاً: هي مجموعة من القيم والمشاعر والإنتماءات، تتضمن معنى المساواة، وتحترم مفهوم التعددية، وتسقط الفوارق المتصلة بالدين أو الجنس أو الأصل بين البشر بلا استثناء(3).

 

إن مفهوم مبدأ المواطنة من الناحية والقانونية والدستورية: يمكن تعريفه بأنه "عبارة عن صفة تثبت للفرد كنتيجة للعلاقة بينه وبين الدولة، استناداً إلي معيار قانوني هو الجنسية كرابطة إنتماء وخضوع، ويثبت له بمقتضاها مجموعة من الحقوق والواجبات المتفردة، سعياً إلي بناء ودعم الإطار السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للدولة".

 

ويعني ذلك أن المواطنة – بمفهومنا القانوني الشائع والتقليدي – تشير إلي انتماء الإنسان إلي منطقة جغرافية محددة والمشاركة في الحكم، والخضوع للقوانين، والتمتع بمجموعة من الحقوق، وأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة. إلا أنه تجدر الإشارة في ذات الوقت إلي أنه إذا كانت الدولة هي المنوطة من خلال التشريع بتحديد معيار الجنسية، ومن ثم تحديد عنصر الشعب فيها، إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن المواطنة هي منحة من الدولة تبسطها أو تقبضها وفق مشيئتها، بل هي صفة أساسية وحق لا يجوز إهداره، بما يعطل جوهره، ومن ثم فإن تنظيم الدولة للجنسية، يتعين أن يكون تنظيماً غير متناقض لجوهره وفحواه(4).

 

إن حق المواطنة يضمن المساهمة في الشئون العامة، كحق الانتخاب، وحق الترشيح لكل الوظائف العامة مهما تسامت. كما يضمن في الجانب الآخر، حق الحماية القانونية الذي تمارسه الدولة، لصون كرامة حاملوا جنسيتها. ومن ثم فمن الجنسية تستمد المواطنة وجودها. وهذا هو الوضع الذي ترسخ في غالبية دول العالم الديمقراطي(5).

 

يوجد معنى آخر لمبدأ المواطنة: وهو لا يرتبط بالحقوق والواجبات القانونية والدستورية للمواطن، بقدر صلته بعمق إرتباط المواطن بدولته أو شعبه، وهو ما يجب أن تعمل الدولة على تنميته لدى مواطنيها. وهذا المعنى يرتبط بالفعل بظروف كل شعب على حدا. على سبيل المثال، فإن الشعب المصري يتميز بالإيمان بالحضارة والثقافة والتقاليد المصرية، ويجب العمل على تنمية وترسيخ هذا الإيمان. أي أنه يجب على كل مواطن أن ينتمي لتراث وحضارة وظروف شعبه. ولكن ليس من شأن ذلك أن نميز بين مواطن وآخر، طبقاً لمعتقداته أو ايمانه الحضاري أو الثقافي بظروف وتاريخ موطنه أو دولته، وهو ما يتنافى مع مبدأ المواطنة، لكن على الأقل يجب أن نسعى إلي تنمية معنى الانتماء والولاء للوطن، حتى لا نفرغ مبدأ المواطنة من معناه الحقيقي، ونهتم بأثاره القانونية والدستورية فقط من حقوق وواجبات كل مواطن يتمتع بجنسية الدولة، دون الاهتمام بتنمية المعنى الحقيقي لمبدأ المواطنة، والذي يربتط بولاء وانتماء المواطن لدولته.

 

والحقيقة أن مفهوم مبدأ المواطنة يمكن تفسيره على ضوء ما ورد في دستور 2014 وكذلك ما جاء بالمواثيق الدولية المختلفة، وما ورد بأحكام المحكمة الدستورية العليا، وفي البداية، فأن كلمة مواطنة وردت في دستور 2014 في ثلاثة مواضع؛ الموضع الأول: وردت في مقدمة دستور 2014، وقد أوضحت أهميتها التاريخية على النحو الآتي: "... وفي العصر الحديث، استنارت العقول، وبلغت الإنسانية رشدها، وتقدمت أمم وشعوب على طريق العلم، رافعة رايات الحرية والمساواة، وأسس محمد علي الدولة المصرية الحديثة، وعمادها جيش وطني، ودعا ابن الأزهر رفاعة أن يكون الوطن "محلاً للسعادة المشتركة بين بنيه"، وجاهدنا - نحن المصريين - للحاق بركب التقدم، وقدمنا الشهداء والتضحيات، في العديد من الهبات والانتفاضات والثورات، حتى انتصر جيشنا الوطني للإرادة الشعبية الجارفة في ثورة "25 يناير – 30 يونية" التي دعت إلى العيش بحرية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية، واستعادت للوطن إرادته المستقلة. هذه الثورة امتداد لمسيرة نضال وطني كان من أبرز رموزه أحمد عرابي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وتتويج لثورتين عظيمتين في تاريخنا الحديث: ثورة 1919 التي أزاحت الحماية البريطانية عن كاهل مصر والمصريين، وأرست مبدأ المواطنة والمساواة بين أبناء الجماعة الوطنية، وسعى زعيمها سعد زغلول وخليفته مصطفى النحاس على طريق الديمقراطية، مؤكدين أن "الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة"، ووضع طلعت حرب خلالها حجر الأساس للاقتصاد الوطني...". الموضع الثاني: في المادة الأولى من دستور 2014، وهو ما يدل على مدى أهمية مبدأ المواطنة، ونصت المادة الأولى على أنه: " جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون...". الموضع الثالث: في المادة (19) من الدستور، والمتعلقة بحق التعليم، مما يتضح معه أهمية تعليم مبدأ المواطنة منذ الصغر، وقد نصت على أنه "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقاً لمعايير الجودة العالمية".

 

وقد أوردت المحكمة الدستورية العليا في أحد أحكامها الهامة: "وحيث إن دستور سنة 2014 القائم قد أولى صفة "المواطنة" أهمية بالغة، إذ قرنها، بنص أولى مواده، بسيادة القانون، وجعل منهما أساساً للنظام الجمهوري الديمقراطي الذي تقوم عليه الدولة، ونص كذلك في المادة (4) منه على أن السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، كما كفل في المادة (87) منه مشاركة المواطن في الحياة العامة كواجب وطني...، كما أن حق المواطنة يستلزم المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز تقييده أو الانتقاص منه إلا لمبرر موضوعي يتطلبه ولا يشكل في حد ذاته مخالفة دستورية...."(6). 

 

وفي حكم آخر حديث للمحكمة الدستورية العليا، ورد أيضاً مبدأ المواطنة في دعوى دستورية آخرى، وقد ربطت المحكمة في هذا الحكم بين مبدأ المواطنة والحق في التعليم في حيثيات حكمها. وكانت وقائع هذه الدعوى تتعلق بتقدم رئيس قسم اللغة العبرية بكلية الآداب جامعة عين شمس بمذكرتين، أولاهما: ضد الدكتور/ ........، والدكتور/ ........، وثانيتهما: ضد الدكتور/ ........، ضمنهما شكوى بعض طلاب القسم من قيام المشكو في حقهم بإعطاء دروس خصوصية وتسريب الامتحانات، وعلى إثر التحقيق مع المذكورين، أصدر رئيس جامعة عين شمس القرار رقم 224 لسنة 2013، بإحالتهم إلى مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بالجامعة؛ لما نسب إليهم من قيامهم بإعطاء دروس خصوصية، بالمخالفة لنص المادة (103) من القرار بقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات، فضلاً عن خروج الأخير على مقتضيات وظيفته وكرامتها، وعدم الاحترام الواجب لها، لصدور عبارات منه لبعض الطالبات، تنطوي على ما يخدش الحياء، وقيدت الدعوى أمام مجلس التأديب برقم... وبجلسة الأول من يناير سنة 2014 قرر مجلس التأديب مجازاة الأساتذة المحالين بالعزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش أو المكافأة لكل منهم، لما ثبت لديه من خروج المحالين على مقتضى الواجب الوظيفي، ومخالفة القانون، والتقاليد الجامعية، بإعطائهم دروساً خصوصية للطلاب بالمخالفة لنص المادة (103) من القرار بقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات. وإذ لم يلق هذا القرار قبولاً لدى الطاعنين في الطعن الأول، طعنا عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، وقيد طعنهما برقم...، ابتغاء القضاء لهما بقبول الطعن شكلاً، وبصفة مستعجلة: بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وفي الموضوع: بإلغاء القرار الصادر عن مجلس التأديب بعزلهما من الوظيفة وبراءتهما مما نسب إليهما، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها عودتهما إلى عملهما. كما لم يلق قرار مجلس التأديب قبولاً لدى الطاعن في الطعن الثاني، طعن عليه أمام المحكمة ذاتها، وقيد طعنه برقم...، طلباً للحكم بصفة مستعجلة: بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، وفي موضوع الطعن: بقبوله شكلاً، وبإلغاء القرار المطعون فيه وبراءة الطاعن، مع ما يترتب على ذلك من آثار... قضت المحكمة الإدارية العليا "الدائرة الرابعة - موضوع" بوقف الطعنين، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة (110) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات، فيما تضمنه من جزاء العزل لكل فعل فيه مخالفة لنص المادة (103) من القانون ذاته. وقد قضت المحكمة الدستورية برفض الدعوى الدستورية، وربطت بين مبدأ المواطنة وحق التعليم، بناء على الأسباب الآتية: "... حيث إن الأصل في النصوص الدستورية أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة، وأن المعاني التي تتولد عنها يتعين أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التنافر أو التعارض. هذا بالإضافة إلى أن هذه النصوص إنما تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجاً متآلفاً متماسكاً بما مؤداه: أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالاً لا يعزلها عن بعضها البعض، وإنما يقيم منها في مجموعها ذلك البنيان الذي يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم مصالحها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها، ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ، أو باعتبارها قيماً مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، وإنما يتعين دوماً أن تحمل مقاصدها بمراعاة أن الدستور وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية وإنما تمثل القواعد التي يقوم عليها والتي صاغتها الإرادة الشعبية، انطلاقة إلى تغيير لا يصد عن التطور آفاقه الرحبة... وحيث إن الدستور قد حرص في المادتين (19 و21) على التأكيد على حق كل مواطن في التعليم، وبَين أهدافه، ومن بينها بناء الشخصية المصرية وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وترسيخ القيم، وإرساء مفاهيم المواطنة وعدم التمييز، كما حرص على التأكيد على كفالة الدولة توفير التعليم الجامعي المجاني وفقاً لمعايير الجودة العالمية، كما عنت المادتان (4، 9) من الدستور بتوكيد التزام الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز، باعتباره أساساً لبناء المجتمع، وصيانة وحدته الوطنية، وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن التعليم كان ولا يزال من أكثر المهام خطراً، وأعمقها اتصالاً بإعداد أجيال يتدفق عطاؤها، وتكون قادرة، علماً وعملاً، على أن تصوغ لتقدمها أشكالاً جديدة ترقى بمجتمعها، فلا يكون راكداً أو آفلاً، وكان الأصل أن تتكامل العملية التعليمية، وأن تتعدد روافدها لتكون نهراً متصلاً، فلا تنعزل بعض حلقاتها عن بعض، بل تتعاون عناصرها لتقيم بنيانها الحق بصرا بآفاق العلوم واقتحاماً لدروبها، ونفاذاً إلى حقائق العصر ومتطلباتها، ارتباطاً بالتنمية بمناهجها ووسائلها، وتحرياً لعوامل القوة ومظاهر انحلالها، وقوفاً على موازين الصراع وعوامل الوفاق، وإدراكاً لقيم الحق والخير والجمال، وتدبراً لنواحي التقدم ومناحي القصور، والتزاماً بضوابط الأمم المتحضرة في صونها لحقوق مواطنيها وحرياتهم، وإطلالاً على ألوان الإبداع وأشكال الفنون تزوداً بها، وانحيازاً للقيم الجوهرية التي تكفل للوطن وللمواطن آفاقاً جديدة لا ينحصر محيطها، بل تمتد دائرتها إلى غير حد، إيماناً بغد أفضل واقعاً ومصيراً، فإن تنكب بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات جادة الصواب، وقد وسدوا أمانة تنشئة شباب الوطن، وغرس قيم الحق والعدل في وجدانه، وترقية تفكيره، وتوسعة مداركه، وتجهيزه لحمل أمانة النهوض بالبلاد، والعمل على رقيها وتقدمها، في إطار من احترام قيم المواطنة والمساواة، واستباحوا هدم ما حرص الدستور على تشييده وكفالته، وسعوا إلى إعطاء الدروس الخصوصية، ضاربين عرض الحائط بتكافؤ الفرص، ليضحى، بمسلكهم المعوج هذا، معيار التعلم والنجاح القدرة المالية لا الكفاءة ولا الموهبة ولا الكد والاجتهاد، فإذا ما قدر المشرع لإثمهم، بمقتضى النص المحال، جزاء العزل من الوظيفة، فإنه لا يكون مجاوزاً نطاق سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وغايتها دوماً تحقيق المصلحة العامة وحماية المجتمع، وكفالة الالتزام بضوابط الدستور دون غلو ولا تفريط، الأمر الذي يكون معه النعي بمخالفة هذا النص للمـواد (94، 96، 101، 184، 186) من الدسـتور على غير سـند صحيح، قمينا بالرفض"(7).

 

ونجد المحكمة الدستورية العليا في الحكم السابق رسخت العلاقة الوطيدة بين مبدأ المواطنة والحق في التعليم، بما لا يميز بين مواطن وآخر في هذا الحق بأي نوع من التمييز سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو غيره من أنواع التمييز المحرمة دستورياً.

 

والحقيقة أن المحكمة الدستورية العليا ربطت بين مبدأ المواطنة وحق الزواج في حكم شهير لها، وقد ربطت فيه أيضاً بين "المواثيق الدولية" والدستور المصري في توضيح وشرح مبدأ المواطنة، حين قضت بعـدم دستوريـة البند السـادس من المادة (73) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، وذلك فيما نص عليه من ألا يعين عضو بمجلس الدولة يكون متزوجاً بأجنبية(8). ونرى أن هذا الحكم يُعد علامة مميزة في توضيح الصلة الوثيقة بين مبدأ المواطنة في المواثيق الدولية والدستور المصري، حيث أوردت المحكمة الدستورية العليا في حكمها بأنه؛ "حيث إن المواثيق الدولية تؤيـد حـق اختيار الزوج. ومن ذلك ما نصت عليه المادة (16) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1948/12/10 من أن لكل من الرجل والمرأة - إذا كانا بالغين - حق التزوج وتأسيس أسـرة دون قيد يقوم على العـرق أو الدين أو الجنسية. وتردد حكـم المادة (16) من هذا الإعلان، اتفاقية التراضـي بالزواج والحد الأدنى لسنه وتسجيل عقوده (1962/11/7) Convention on Consent to Marriage، Minimum Age for Marriage and Registration of Marriages. كذلك فإن حق التزوج واختيار الزوج Choice of Spouse مكفولان بنص المادة (5) من الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري (1965/12/21) International Convention on the Elimination of all Forms of Racial Discrimination. وتؤكد الفقرة الثانية من المادة (23) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966/12/16) International Covenant on Civil and Political Rights. حق الرجال والنساء الذين بلغوا سن الزواج في أن يكونوا أزواجا، وأن يقيموا لهم أسراً. وترعى المادة (6) من إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة (1967/11/7) Declaration on the Elimination of Discrimination against Women حقها في اختيار الزوج بملء حريتها وعدم التزوج إلا برضاها التام. وتتمتع المرأة وفقا لنص المادة (16) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979/12/18) Convention on the Elimination of all Forms of Discrimination against Women بحق مساوٍ للرجل في اختيار الزوج، وفى ألا يتم الزواج إلا برضاها الكامـل. وتنص المادة (8) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والموقع عليها في روما بتاريخ 1950/11/4 من الدول الأعضاء في مجلس أوروبا Convention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms على حق كل شخص في ضمان الاحترام لحياته الخاصة ولحياته العائلية. ولا يجوز لأي سلطة عامة التدخل في مباشرة هذا الحق إلا وفقاً للقانون، وفى الحدود التي يكون فيها هذا التدخل ضرورياً في مجتمع ديمقراطي لضمان الأمن القومي أو سلامة الجماهير أو رخاء البلد اقتصادياً، أو لتوقى الجريمة أو انفراط النظام أو لصون الصحة أو القيم الخلقية أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ويجب أن يقرأ هذا النص متصلا ومترابطاً بالمادة (12) من هذه الاتفاقية التي تنص على أن لكل الرجال والنساء عند بلوغهم سن الزواج، الحق فيه، وكذلك في تأسيس أسرة وفقاً لأحكام القوانين الوطنية التي تحكم مباشرة هذا الحق، وبمراعاة أمرين؛ أولهما: أن جوهر الحق في الزواج ليس إلا اجتماعاً بين رجل وأمرأة في إطار علاقة قانونية يلتزمان بها، ولأيهما بالتالي أن يقرر الدخول فيها أو الإعراض عنها. ثانيهما: أن الحقوق المنصوص عليها في المادتين (8، 12) من تلك الاتفاقية - وعملا بمادتها الرابعة عشرة - لا يجوز التمييز في مباشرتها لاعتبار يقوم على الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو العقيدة أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو المولد أو الثروة أو الانتماء إلى أقلية عرقية أو بناء على أي مركز آخر. وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان البين من القوانين التي نظم بها المشرع أوضاع السلطة القضائية، وآخرها قانونها الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972، أن الشروط التي تطلبها لتولى الوظيفة القضائية في نطاق جهة القضاء العادي، لم يكن من بينها يوماً قيد يحول دون زواج رجالها بأجنبية، بما مؤداه انتفاء اتصال هذا الشرط بالأداء الأقوم لمسئوليتها باعتباره غريباً عنها، وليس لازماً لمباشرة مهامها على أساس من الحيدة والموضوعية. وحيث إن المشرع أكد هذا المعنى وتبنى هذا الاتجاه، حين اختص المحكمة العليا - الصادر بشأنها القرار بقانون رقم 81 لسنة 1969 - بالرقابة القضائية على دستورية النصوص القانونية جميعها، وكذلك بعد أن حلت محلها المحكمة الدستورية العليا - الصادر بإنشائها القانون رقم 48 لسنة 1979 - لتكون رقيباً على تقيد السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالضوابط التي فرضها الدستور في مجال إقرار النصوص القانونية أو إصدارها. فقد أطلق المشرع - بهذين القانونين - حق أعضاء هاتين المحكمتين في اختيار الزوج، التزاماً بأبعاد الحرية الشخصية، وصوناً لحرمة الحياة الخاصة اللتان كفلهما الدستور بنص المادتين (41، 45). وكذلك حين جرم كل اعتداء عليهما بنص المادة (57). ولم يجز فوق هذا إسقاط المسئولية الجنائية أو المدنية الناشئة عن هذا العدوان بالتقادم. بل أن عدم إدراج حكم مماثل للنص المطعون فيه في قانون المحكمة الدستورية العليا التي تعلو هامتها فوق كل جهة من خلال ضمانها سيادة الدستور، وتوليها دون غيرها فرض القيود التي يتضمنها في إطار الخصومة القضائية، وارتقاء رقابتها على الشرعية الدستورية إلى أكثر أشكال الرقابة القضائية مضاءً وأبعدها أثراً وأرفعها شأناً، يعنى أن تقرير هذا الحكم لا يتصل بجوهر وظيفتها القضائية، وأن اقتضاءه منفصل عن الشروط الموضوعية لأوضاع ممارستها. وحيث إنه لا ينال مما تقدم ما تنص عليه المادة (167) من الدستور من أن يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط تعيين أعضائها ونقلهم، ذلك أن هذا التفويض لا يخول السلطة التشريعية أن تقرر في مجال تولى الوظيفة القضائية من الشروط ما يكون دخيلاً عليها، مُقحماً على الضوابط المنطقية لممارستها، منفصلاً عما يكون لازماً لإدارتها، نائباً عما يتصل بصون هيبتها أو يكون كافلاً لرسالتها. بل يجب أن تكون القيود التي يفرضها المشرع على تولى الوظيفة القضائية عائدة في منتهاها إلى أسس موضوعية تقتضيها مصلحة جوهرية. وهو ما قام النص المطعون فيه على نقيضه. ذلك أن المشرع وإن جاز أن يفرض في شأن الزواج شروطاً إجرائية لضمان توثيقه بصورة رسمية ولاشهاره قطعا لكل نزاع، بل وأن يقيده بضوابط موضوعية كتلك التي تتعلق بأهلية المتعاقدين ودرجة القرابة المحرمية، إلا أن التنظيم التشريعي للحق فيه، بما ينال من جوهره ممتنع دستورياً. وحيث إن تبرير النص المطعون فيه بمقولة أنه يتناول أعضاء بهيئة قضائية يطلعون بحكم وظائفهم على عديد من أسرار الدولة ويفصلون فيما هو هام من منازعاتها، ويحسمون مصير قراراتها، وأن المشرع صوناً منه لهذه المصالح قدر ألا يلي أعباء تلك الوظيفة القضائية إلا هؤلاء الذين ينتمون إلى الوطن انتماءً مجرداً، متحررين من شبهة التأثير الخارجي عليهم، وهو ما يقع إذا تزوج أحدهم بأجنبية، مردود بأن المحكمة الدستورية العليا - التي خلا قانونها من هذا الشرط - تباشر رقابتها القضائية على الشرعية الدستورية ذاتها، وهى أبلغ خطراً وأكثر اتصالاً بالمصالح القومية الحيوية، بل أنها تستخلص من النصوص الدستورية تلك القيم التي ارتضتها الجماعة لتؤسس عليها ركائز بنيانها وتعبد الطريق لتقدمها. كذلك فإن فهمها لأحكام الدستور ومناهجها في التأصيل والتفريع هي أدواتها إلى إبطال النصوص التشريعية بما يجردها من قوة نفاذها. وأحكامها هي التي ترد المواطنين جميعهم وكذلك السلطات العامة -على تعدد أفرعها وتباين تنظيماتها- إلى كلمة سواء يكون الدستور من خلالها مهيمناً على الحياة بكل صورها. وحيث إن الدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور 1923 وانتهاء بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة أمام القانون، وكفلت تطبيقه على المواطنين كافة بإعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التي يستهدفها تتمثل أصلاً في صون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها"(9).

 

وإنتهت المحكمة الدستورية العليا في حكمها إلي إعلاء مبدأ المواطنة في الحقوق الدستورية، وبخاصة حق اختيار الزوج أو الزوجة، والقضاء بعدم دستورية البند السادس من المادة (73) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، وذلك فيما نص عليه من ألا يعين عضو بمجلس الدولة يكون متزوجاً بأجنبية.

 

وربطت المحكمة الدستورية العليا بين المواثيق الدولية ومبدأ المواطنة في حكم هام آخر لها(10)، أقرت به مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع في اختيار نوع تعليم أبنائهم، دون تمييز من أي نوع، فقضت: "بعدم دستورية ما تضمنه البند (أ) من المادة الثالثة من القانون رقم 99 لسنة 1992 في شأن التأمين الصحي على الطلاب؛ من إفراد كل طفل في رياض الأطفال الخاصة؛ وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بمصروفات؛ بالتحمل باشتراكات سنوية لتمويل هذا التأمين؛ تزيد عن تلك التي فرضتها على غيرهم من الطلبة"؛ وكانت حيثيات هذا الحكم على النحو الآتي: "حيث إن التعليم كان ولا زال من أكثر المهام خطراً؛ وأعمقها اتصالاً بآمال المواطنين وطموحاتهم؛ وأوثقها ارتباطاً بمصالح الجماعة ومقاييس تقدمها؛ وكان على الدولة بالتالي أن تهيمن على عناصره الرئيسية؛ وأن توليه رعايتها؛ وأن توفر لدور التعليم -وبقدر طاقتها- شرايين الحياة الجوهرية التي لا تقوم إلا بها؛ وأن يكون إنفاقها على التعليم؛ تعبيراً عن اقتناعها بأن ثماره عائدة في منتهاها إليها. وأن اجتناءها بيد مواطنيها؛ فليس التعليم حرثاً في البحر؛ بل هو نبض الحياة وقوامها؛ لا تستقيم بغيره شئونها؛ ولا زال متطلباً كشرط مبدئى لمواجهة المواطنين لمسئولياتهم مع تنوعها وشمولها؛ ليكون اضطلاعهم بها منتجاً وفعالاً؛ وهو كذلك تعميق لمشاعر الانتماء؛ يتمحض إلهاماً للضمائر؛ وتقريراً للحقائق؛ واستنهاضا للهمم؛ نحو ما ينبغي أن يكون نهجاً قويماً للعمل؛ واستثارة لتلك القيم والمثل العليا التي يكون غرسها وإيقاظها في النشىء؛ مشكلاً لعقولهم؛ محدداً مآلاً أنماطاً لتصرفاتهم؛ فلا يوجهون -في الأعم- طاقاتهم بدداً؛ ولا يتراجعون عن الإقدام طريقاً؛ ولا يتخاذلون أو يمارون؛ بل يوازنون بين حقوقهم وواجباتهم؛ مستبصرين حدودها؛ فلا يتفرقون أو يفرطون. والتعليم فوق هذا يعدهم للحياة. ويدربهم علي مواجهة صعابها؛ ويقيم لهم معالمها؛ فلا تتنافر وسائلها؛ أو تتعارض ملامحها. وهم أسوياء بالتعليم؛ يتوافقون مع بيئتهم؛ ويندمجون في مجتمعاتهم؛ فلا يسعون لغير مظاهر التفوق إصراراً؛ ولا يميلون عن الحق طريقاً؛ ليكون التعليم دوماً حقاً أصيلاً لا تابعاً؛ لا تُدَاخل الأهواء فرص النفاذ إليه؛ ولا تمليها نزوة عابرة؛ بل يكون القبول بالمعاهد التعليمية على اختلافها؛ محدداً وفق أسس موضوعية تستقيم بها متطلبات ممارسة هذا الحق؛ فلا يكون التعليم على ضوئها شكلياً أو رمزياً؛ ولا يقيد المشرع من مداه اعتسافاً؛ بل يكون ملبياً -واقعاً ومضموناً- للأغراض التي يتوخاها أصلاً؛ وموازنا بين مستواه في مرحلة بذاتها؛ وما ينبغي أن يلائمها من شروط الالتحاق بها؛ على ضوء نظره كلية تكفل الارتقاء بالجماعة حضارياً؛ وإنماء طرائق النظر والاستدلال؛ لتطوير العلوم في مختلف مجالاتها؛ والتمكين من أسبابها. وحيث إن الحق في التعليم فحواه؛ أن يكون لمن يطلبونه الحق في ضمان قدر منه يلتئم مع مواهبهم وقدراتهم؛ وكذلك اختيار نوع من التعليم يكون أكثر اتفاقاً مع ملكاتهم وميولهم. ولا ينحصر الحق في التعليم؛ في مجرد النفاذ إليه وفق الشروط الموضوعية التي تتحدد على ضوئها فرص قبول الطلبة بالمعاهد التعليمية؛ كتلك التي تتصل بملاءمة تكوينهم علمياً واستعدادهم ذهنياً ونفسياً لنوع وخصائص المناهج الدراسية بتلك المعاهد؛ وعلى ضوء مستوياتها الأكاديمية؛ ذلك أن الالتحاق بالمعاهد التعليمية وفق الشروط الموضوعية المحُدَدة للقبول بها؛ يعتبر مشتملاً بالضرورة على حق الانتفاع بمرافقها وتسهيلاتها وخدماتها؛ بقدر اتصالها بالعملية التعليمية في ذاتها؛ وارتباطها بما يكفل تكامل عناصرها؛ وبلوغ غاياتها؛ ... وحيث إن ما تقدم مؤداه؛ أن التعليم حق؛ وأن العملية التعليمية تتكامل عناصرها؛ فلا يجوز تبعيضها بفصل بعض أجزائها عن البعض؛ ذلك أن تضافر مكوناتها هو الضمان لفعاليتها؛ لتمتد الحماية التي كفلها الدستور للحق في التعليم؛ إلى كل العناصر التي يتألف منها؛ فلا يجوز تعطيل بعض جوانبها أو تقييدها بنصوص قانونية أو تدابير إدارية من شأنها الإخلال بركائز التعليم بما ينال من محتواه؛ وبوجه خاص يجب أن تتخذ السلطات العامة جميعها؛ التدابير التي يقتضيها إنهاء التمييز غير المشروع؛ سواء في مجال شروط القبول في المعاهد التعليمية؛ أو من خلال القواعد التي تفرق بين الطلبة في شأن مصروفاتهم؛ أو منحهم الدراسية؛ أو فرص متابعتهم لتعليمهم في الدول الأجنبية. وبوجه عام؛ لا يجوز للمعاهد التعليمية أن تمايز بين طلبتها في شأن صور التعامل وأشكال العلائق التي ترتبط بها معهم؛ ما لم يكن التمييز بينهم؛ مستنداً إلى جدارتهم؛ أو متصلا بأوضاع تلك المعاهد واحتياجاتها. ولا يسوغ كذلك أن تتخذ السلطات العامة؛ من أشكال المعونة التي تقدمها إلى المعاهد التعليمية؛ -وأياً كان مقدارها- موطئاً لتقييد حقوق فئة بذاتها من طلبتها؛ أو تقديمها وتفضيلها على نظرائهم؛ وليس لها أن تعطل حق أولياء أمور الطلبة في إلحاق أبنائهم بمعاهد تعليمية غير التي أنشأتها؛ بشرط ألا يقل مستواها عن الحدود الدنيا التي تتطلبها الجهة ذات الاختصاص بتنظيم شئون التعليم. وفضلاً عما تقدم؛ لا يجوز؛ أن يكون انتفاع طلبة المعاهد التعليمية؛ بمرافقها أو خدماتها؛ مرتبطاً بقدراتهم المالية؛ ذلك أن التمييز بين المواطنين -" في مجال مباشرتهم للحقوق الأساسية عينها"- على ضوء ثرواتهم؛ كان دائما أمرا محظوراً منهيا عنه دستورياً. ولئن صح القول بأن الأصل في التعليم الخاص؛ هو جوازه في الحدود التي يبينها المشرع؛ وبما لا يناقض نصوص الدستور؛ وبشرط ألا يكون متوخيا استبعاد فئة بذاتها من المواطنين انحرافاً؛ وأن يكون ملتزماً - من حيث مستواه في كل مرحلة تعليمية- بالمقاييس التي تفرضها الجهة الإدارية ذات الاختصاص في شأن المرحلة المناظرة؛ فإن من الصحيح كذلك أن الحماية التي يكفلها الدستور للحق في التعليم -بكل العناصر التي يشتمل عليه- إنما تمتد إلى المعاهد التعليمية جميعها؛ بغض النظر عمن يملكها أو يديرها. وحيث إن الأسس السالف بيانها؛ هي التي تبنتها المواثيق الدولية. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ يؤكد في ديباجته؛ أن الحقوق المنصوص عليها فيه؛ مرجعها إيمان شعوب الأمم المتحدة بالحقوق الأساسية للإنسان؛ وبقيمة كل فرد وكرامته؛ وضرورة أن يعامل مع غيره وفقا لمقاييس تتكافأ مضموناتها؛ فلا يضطر مع غيابها إلى مقاومة القهر والطغيان؛ وإنما يكون ضمانها كافلاً لمعايير أفضل لحياة تزدهر مقوماتها في إطار حرية أعمق وأبعد. وكان من بين هذه الحقوق؛ تلك المنصوص عليها في المادة (26) من ذلك الإعلان في شأن التعليم؛ فقد جاء حكمها صريحاً في أن لكل إنسان حقاً فيه؛ ويجب أن يقدم مجاناً على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية؛ ويكون التعليم الابتدائي إلزامياً؛ فإذا كان التعليم فنياً أو مهنياً؛ وجب أن يكون متاحاً بوجه عام. ولا يتاح التعليم العالي إلا على أساس من الجدارة والاستحقاق؛ وللآباء حق أولى A prior right في اختيار نوع بذاته من التعليم لأبنائهم. وتؤكد المادة (13) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ أن التعليم حق ينبغي أن يكون موجها نحو التطوير الكامل للشخصية الإنسانية؛ معززاً الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية؛ مقترنا بضمان حق الناس جميعاً في مجال الإسهام الفعال في بناء مجتمعاتهم الحرة؛ ومؤدياً لتعميق الفهم والتسامح بين الأمم ودعم صداقتها. كذلك يبين من الاتفاقية التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والشئون العلمية والثقافية في 14 ديسمبر 1960 في شأن مناهضة التمييز، "إن هذا التمييز؛ يمثل انتهاكاً للحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وإن منظمة اليونسكو؛ تؤكد أن احترامها للتنوع في النظم التعليمية الوطنية؛ لا يجوز أن يخل بالتزامها -ليس بتحريم أشكال التمييز في نطاق التعليم على اختلافها فحسب- بل كذلك بالعمل على إرساء التكافؤ في الفرص والمعاملة المتساوية على صعيد التعليم؛ ليكون حقاً مكفولاً لكل إنسان. ذلك أن أشكال التمييز -على تباينها- تكتنفها مخاطر بعيدة آثارها. وكان لازماً بالتالي أن يتناولها تنظيم دولي؛ يكون مُنْهيِاً لصورها غير المبررة". وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية الآنف بيانها؛ ذلك أن التمييز وفقاً لحكمها يعنى؛ كل تفرقةDistinction أو تقييد Limitation أو استبعاد Exclusion أو تفضيل Preference يستند إلى لون الأشخاص أو جنسهم أو لغتهم أو عقائدهم أو آرائهم؛ أو أصلهم الوطني أو الاجتماعي أو "حالتهم الاقتصادية" Economic Condition إذا كان هذا التمييز يتوخى؛ أو من أثره؛ إلغاء المعاملة المتكافئة في مجال التعليم أو الإخلال بها؛ ويندرج تحت ذلك بوجه خاص حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من النفاذ إلى التعليم بمختلف صوره و مراحله؛ أو إلزامهم الالتحاق بأشكال من التعليم تنحدر مستوياتها؛ أو فرض أوضاع عليهم تأباها كرامة الإنسان وتنافيها؛ أو إنشاء نظم تعليمية أو إبقاؤها -إذا كان هدفها الفصل بين الأشخاص تبعا لجنسهم- ما لم يكن حق النفاذ إليها متكافئا من خلال دور للتعليم تتعادل مستوياتها سواء من ناحية خصائص أبنيتها أو تجهيزاتها؛ أو كفاءة مدرسيها وقدراتهم؛ أو نوع مناهجها. وعملا بالفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك الاتفاقية؛ يقصد بالتعليم -في تطبيق أحكامها- صور التعليم ومختلف مراحله؛ وهو يشتمل كذلك على حق الالتحاق بالتعليم والنفاذ إلى نوعه ومستواه؛ والشروط التي يمنح على ضوئها. كذلك يبين من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان؛ أن بروتوكولاً برقم (1) أُلحق بها؛ ليضيف إليها بعض الحقوق التي أغفلتها؛ من بينها الحق في التعليم المنصوص عليه في المادة الثانية من هذا البروتوكول؛ والتي تقضى بأن حق كل شخص في التعليم لا يجوز إنكاره؛ وأن على الدولة -في ممارستها لاختصاصاتها-احترام حق الآباء في أن يوفروا لأبنائهم نوعا من التعليم والتدريس؛ يكون ملبيا لعقائدهم الدينية ومفهوماتهم الفلسفية. وتنص المادة (17) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب؛ Charter African on Human and Peoples Rights على أن لكل فرد حقاً في التعليم؛ وفى الإسهام الحر في الحياة الثقافية لبلده......". 

 

ويجب أن نستخلص عدة نقاط رئيسية مما تقدم:

أولاً : مبدأ المواطنة يرتبط ارتباط وثيق لا يقبل التجزئة بمبدأ المساواة، فلا يجوز التمييز بين المواطنين بأي نوع من التمييز، سواء على أساس ديني أو طائفي أو اقتصادي أو اجتماعي.

ثانيــاً : مبدأ المواطنة له علاقة وثيقة بممارسة المواطنين للحقوق الدستورية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال حرمانهم من حقوقهم، طالما تماثلت مراكزهم القانونية.

ثالثــاً : أوردت الكثير من الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا في جمهورية مصر العربية مبدأ المواطنة، باعتباره أساس دستوري للبناء الوطني، وبدونه ينهار الوطن.

رابعـاً : مبدأ المواطنة يرتبط ارتباط وثيق بالمواثيق الدولية التي صدقت عليها جمهورية مصر العربية، ومن ثم يجب على الحكومة المصرية أن تطبقه عملياً في جميع المجالات بين كافة المواطنين، حتى تنفذ اتفاقتها الدولية.

خامساً : الدستور المصري أوضح أهمية هذا المبدأ، باعتباره يرتبط بكافة المبادئ والحقوق الدستورية الأخرى.

سادساً : تطبيق مبدأ المواطنة عملياً هو الهدف الأساسي والرئيسي لأي مجتمع، ولذلك فهو منصوص عليه بشكل رئيسي في الدستور والمواثيق الدولية والأحكام الدستورية.

وصفوة القول، بأنه يجب على المجتمع من الناحية الفكرية والواقعية، أن يسلك حذو الدستور المصري والمحكمة الدستورية العليا والمواثيق الدولية، وأن يعلي من شأن مبدأ المواطنة، بما ينتصر للمساواة أو عدم التمييز بين أي مواطن وآخر، سواء على أساس ديني أو مذهبي أو طائفي أو اجتماعي أو اقتصادي...إلخ، في كافة مجالات الحياة في المجتمع، بما يؤدي إلي تمتع كافة المواطنين بحقوقهم الدستورية والإنسانية، وكذلك تحملهم بواجباتهم العامة، دون تمييز من أي نوع، وذلك هو ما يجعل مبدأ المواطنة أسلوب حياة وينتصر له على كافة أشكال الرجعية الفكرية في المجتمع.

 

 

 

المراجع

1. راجع في ذات المعنى، مقالة للدكتور قدري حنفي "حول الدستور ومبادئ الشريعة الإسلامية وحق المواطنة"، المجلة الدستورية، العدد 21.

2. دكتور/ أحمد أحمد الموافي، المواطنة على ضوء التعديلات الدستورية في جمهورية مصر العربية "دراسة مقارنة"، دار النهضة العربية، سنة 2008، صفحة 1-11.

3. دكتور/ مصطفى الفقي، المواطنة هي الحل، مقال في جريدة الملتقى، العدل الصادر في 2007/3/6، www.ikhwan.net .

4. دكتور/ محمد أحمد عبد النعيم، مبدأ المواطنة والإصلاح الدستوري، دار النهضة العربية، صفحة 78 وما بعدها.

5. دكتور/ ميلود المهذبي، دكتور/ إبراهيم أبو خزام، الوجيز في القانون الدستوري "دراسة تحليلية في النظرية العامة لفلسفة القانون الدستوري، الكتاب الأول، مكتبة طرابلس العلمية العالمية، الطبعة الأولى، عام 1996، صفحة 26 وما بعدها.

6. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 16 لسنة 37 قضائية "دستورية"، الصادر بجلسة 2015/3/1.

7. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 166 لسنة 37 قضائية "دستورية"، الصادر بجلسة 2019/2/2.

8. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 23 لسنة 16 قضائية "دستورية"، الصادر بجلسة 1995/3/18.

9. راجع حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 23 لسنة 16 قضائية "دستورية"، الصادر بجلسة 1995/3/18.

10. راجع حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 40 لسنة 16 قضائية "دستورية"، الصادر بجلسة 1995/9/2.