الدراما التليفزيونية وقضايا حقوق الإنسان

بقلم : المخرجة/ إنعام محمد علي

 

أن الفن الأصيل له دور كبير في الارتقاء بمستوى الوعي الذهني والحس الوجداني للإنسان يجعله أكثر تحضراً وإحساساً بالآخر، وأقوى انتماءاً وحباً لمجتمعه وأسرته، إلى آخر هذه الصفات الحميدة التي تساهم في تقدم الأمم. ونقر في نفس الوقت، أن للدراما التليفزيونية وخاصة التي تُعرض في حلقات يومية تأثير جاذب وطاغي ومُلح على أذهان المشاهدين في مجتمعات مازال يقترب من ثلثها أمياً، ولا تقوم مؤسساتها التربوية بدورها المأمول، عندئذ يصبح ما يعرض في هذا الجهاز المنزلي المسيطر هو المثل والقدوة.

 

ومن بين المواد العديدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 12) والتي تنُص على .. " لا يجوز تعريض أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة، أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته، ولكلِّ شخص حقٌّ في أن يحميه القانونُ من مثل ذلك التدخُّل".. تبدو هذه المادة وكأنها تلخص الكثير من السياقات الاجتماعية والنفسية والإنسانية التي تظهر خلال دراما المسلسلات والتي تتَعرّض إلى خطورة اقتحام الحياة الشخصية للأفراد والجماعات، وهى ظاهرة ازدادت وطئة انتشارها حديثاً، وتُشكل أحد جوانب الأضرار الناتجة عن التطور التكنولوجي، والمتمثل في انتشار تكنولوجيا الهواتف الذكية، التي كما تتيح التواصل السهل، والاندماج داخل مجتمعات افتراضية، تتيح أيضاً هتك خصوصية الأسر والأفراد، والتجسس عليهم، والوقوف على أدق أسرار حياتهم.

 

اللجنة الثقافية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان:

يقيم المجلس القومي لحقوق الإنسان حفلاً سنوياً لتكريم مبدعي الأعمال الدرامية التي تعرض في شهر رمضان من خلال اللجنة الثقافية، والتي بدأت عملها عام 2011، واستمرت تمارسه سنوياً حتى الآن، والتي تقوم بتوزيع جوائز الإنتاج الدرامي المتميز في مجال حقوق الإنسان، ويتم اختيارها وفقاً لمعايير تقيمها اللجنة الفنية والمكونة من ستة نقاد، أهمها أن يكون سياقها الدرامي متسقاً لمبادئ نشر ثقافة حقوق الإنسان من خلال قالب فني مُحكم وجاذب، يضمن وصول الرسالة للمشاهد.

 

وفي عام 2018 شاهدت لجنة التحكيم 35 عملاً درامياً .. شارك في إنتاجها حوالى 23 شركة إنتاج مصرية وعربية بتكلفة تصل إلى مليار جنيه تقريباً .. معنى ذلك أننا امام صناعة ضخمة ومؤثرة .. يُصب تأثيرها المباشر، في عقل ووجدان الأسرة العربية بشكل عام.

 

ولاحظت أن في رمضان 2018 تراجع مؤشر المستوى الدرامي الجيد والناضج، فى أعمال كثيرة عن العام السابق له حيث غابت الفكرة الطازجة، ذات الموضوع الذى يلمس المشاهد، وينسج خيوط التواصل معه، فيحرك مشاعره وفكره، ويجعل العمل الفنى يستمر معه خارج الشاشة.

 

هذه الملاحظة تضعنا أمام حق مهم من حقوق المتفرج، وهو حقه في أن يُقَدم له وجبة درامية متكاملة العناصر، غنية بالخبرات والمعارف والقيم والمتعة .. إن هذا من أهم سياقات الحفاظ على حقوق الإنسان، فيما يخص الدراما التليفزيونية، بما لها من تأثير جاذب وطاغي ومُلِح، على أذهان ونفوس المشاهدين، وخاصة التي تُعرض في حلقات يومية، في مجتمع مازال يزيد عن ثلثه أُمياً، ولا تقوم مؤسساته التربوية المتنوعة بدورها المنشود، عندئذ يصبح ما يُعرض من خلال هذا الجهاز المنزلي المسيطر، هو المثل والقدوة.

 

و إذا كانت بعض المسلسلات تميل لاعتبار نفسها مجرد مساحات للتسلية وتمضية الوقت، وتعطيل الذهن من عناء التفكير .. إلا أن انتشار مبدأ اعتبار الدراما التليفزيونية بعد تاريخها الطويل، مجرد وسيلة من وسائل الترفيه .. وغياب الدور الثقافي والاجتماعي والإنساني لها .. هو أمر يضر بالعقل الجمعي المصرى، الذى تشكل فيه جانباً هاماً منذ الستينات وحتى الآن .. عبر مئات الأعمال الدرامية ذات الموضوعات والأشكال المختلفة، والشخصيات المؤثرة، والتفاصيل التي خرجت من الشاشة وصارت جزء من اللغة والتاريخ والمجتمع والوجدان العام. ويُرجع أحد الأسباب الهامة في حدوث مثل هذه المتغيرات، إلى انسحاب قطاعات الإنتاج التي كانت تساهم فيها الدولة، من إنتاج الأعمال الدرامية.. ودخول الفضائيات ووكالات الإعلان كطرف فاعل في إنتاجها، وإداراتها بمنطق شباك التذاكر السائد في السينما، التي جعلت من النجم الذى يلعب الدور الرئيسي في تسويق الفيلم، هو رقم واحد في العملية الإنتاجية، وهذا بالضبط ما حدث على الشاشة الصغيرة.

 

لاحظت اللجنة بالنظر إلى هذا العدد من الأعمال أن كثيراً منها ربما عن سهو أو قصد، لا تلتفت إلى حجم التحديات والمشكلات، والأخطار المحدقة بالوطن، في هذه المرحلة تحديداً .. وتفاجأنا بحكايات تمتلئ بالنماذج الشاذة.. وتجسد أسوأ ما يطفح به المجتمع من سلبيات، باعتبار أن هذا هو السائد، بعيداً عن ما يتحقق من إنجازات في معارك الحرب ضد الإرهاب، وما يسقط فيها من عشرات الشهداء .. كل شهيد منهم يصلح موضوعاً لعمل درامي.

 

وفى عام - 2018- ضج المشاهدون من توغل الإعلانات، (وخاصة فى مسلسلات النجوم) على المساحة الزمنية للدراما في الحلقة الواحدة لدرجة قلبت الوضع فبعد أن كانت مقاطع درامية تتخللها فواصل إعلانية، تحولت إلى مقاطع إعلانية تتخللها فواصل درامية، وذلك فى رغبة محمومة من وكالات الإعلان لاستغلال كثافة المشاهدة فى هذا الشهر لإذكاء شهوة الاستهلاك التجاري البغيض، لدى المشاهدين. ومع ذلك رأت لجنة التحكيم حينها أن الصورة الكلية لدراما هذا العام لم تكن كلها تتسم بالقتامة، فهناك شعاع من الأمل تجلى من خلال الظواهر الآتية:

• فمن الظواهر الإيجابية اللافتة قدرة الصناعة على إنتاج أجيال شابة من الممثلين والكُتَاب والفنيين.

• تجدد دماء هذه الصناعة على المستوى التقنى، وفى عنصر لغة الحوار وأساليب التعبير المرئي وحضور الكمبيوتر وانعكاس ذلك على أساليب المعالجة.

• ومن الأشياء الهامة، إعادة النظر فى الصورة السلبية، التي لازمت رجل الشرطة خلال سنوات سابقة وتصحيح هذه الصورة، التي تستحق التقدير والاحترام، والتقييم الموضوعي لدورها الحاسم، فى مجال أمن الوطن والمواطن، والتضحيات التي تقدمها فى سبيل ذلك.. خلال مسلسلات (كلبش، أمر واقع، نسر الصعيد، أيوب).

 

ومن بين 35 مسلسل عُرضت رمضان عام 2018، استطاعت اللجنة وبالإجماع، أن تلتقط ثلاث مسلسلات، اكتملت فيهم شروط المسابقة، من حيث الجودة الفنية والموضوعية وفى سياقها الدرامي وبشكل غير مباشر تعالج قيماً ومبادئ لحقوق الإنسان.

 

ومن الأمور المضيئة، أنه بعد سنوات من التجاهل والنسيان، لمسلسلات الأطفال، بالرغم من حاجتنا الكبيرة إليها، عرضت الشاشة في رمضان ثمان مسلسلات رسوم متحركة، ومن الأمور الإيجابية أن موضوعاتها وأبطالها مصرية وعربية وإسلامية، والبعض منها كان متميزاً، وقد اختارت اللجنة واحداً منهم لتمنحه جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وهو المسلسل الذى حصل من إمارة دبى في هذا العام على جائزة أفضل عمل فنى وفكري عن محور الثقافة والفكر، في مسابقة محمد بن راشد العالمية، وفى مصر "المجلس القومي لحقوق الإنسان" وهو أول جهة قامت بتكريمه.

 

وفي عام 2017، جاء في حيثيات اختيار لجنة التحكيم لمسلسل "واحة الغروب" أنه كان عملاً درامياً مبهراً .. مستوحى من رواية "واحة الغروب" للكاتب الكبير بهاء طاهر، الرواية تعود إلى القرن التاسع عشر مع " ثورة عرابي " يتكئ في بنائها إلى وميض وسحر خاص .. يمزج الواقع بالأسطورة. حيث يعيش أهل الواحة في هذا الزمن البعيد .. التي تعتبر سكان الأطراف "غير مصريين" .. وبالتالي تفرض عليهم ما يشبه الجزية .. وبين سِندان العادات والتقاليد القاسية التي يفرضها أهل الواحة على أنفسهم. ولكن مع كل هذه الخشونة في المشاعر والأماكن التي يعيش فيها أهل الواحة .. نرى إبداع كاملة أبو ذكري وفريق العمل معها .. قد تناغموا جميعاً في صناعة سيمفونية رائعة .. بلغة بصرية وصلت إلى مستوى الشعر .. وخلقوا من الأماكن الوعرة حالة أسطورية .. ورغم أن العمل مأخوذ من رواية تاريخية إلا أنه يُقدم صيحة من الماضي، لأولي الأمر في الحاضر .. لبذل كل الجهد لاحتضان أهالينا في المناطق الحدودية.. وإعطائهم حقوقهم الكاملة في المواطنة والعدالة الاجتماعية. 

 

كما جاء في حيثيات اختيار لجنة التحكيم عام 2017 لمسلسل " حلاوة الدنيا"، وهو مسلسل تليفزيوني نموذجي .. يدخل البيوت بلا استئذان ويشاهده كل أفراد الأسرة، يمتعهم ويحترم عقولهم ومشاعرهم .. لذلك التف حوله المشاهدين في رمضان2017 .. وهو من الأعمال الدرامية التي سَعت بقوة إلى ترسيخ حق الإنسان في الحياة، تحت أي ضغوط أو ظروف، حتى لو كان ذلك بسبب واحد من أخطر الأمراض التي تهدد الحياة بشكل مباشر، حيث يدعو إلى عدم الاستسلام، من خلال تناول إحدى الحالات الإنسانية لسيدة مريضة بالسرطان، ورغم ذلك لم يُغِرق المسلسل في مشاعر الحزن أو اليأس .. بل حاول أن يشيع البهجة ويبث الأمل، في كل من يمرون بهذه التجربة الأليمة. 

 

وقد شاهدت اللجنة في عام 2017 (35) عملاً درامياً شارك في إنتاجها، حوالي 17 شركة إنتاج مصرية وعربية وأجنبية .. معنى ذلك أننا إِزاء صناعة ضخمة ومؤثرة .. يُصب تأثيرها المباشر، في عقل ووجدان الأسرة العربية بشكل عام. وقد لاحظت اللجنة أن نسبة الأعمال المُميزة في عام 2017 .. أكثر من العام السابق .. لذلك رأت اللجنة أنه من الإنصاف، أن يرتفع عدد الأعمال المُكرمة هذه السنة، من ثلاث أعمال "كما نصت المسابقة" .. إلى أربعة أعمال، وجائزة خاصة لعمل خامس تم الاتفاق بين أعضاء اللجنة، على أنها الأكثر مراعاة لمبادئ حقوق الإنسان. وكان للأسرة وجود إيجابي وواقعي .. فيما عُرض في بعض الأعمال الدرامية لعام 2017.. ومن المسلسلات الهامة التي التف حولها المشاهدين، نذكر منها (حلاوة الدنيا، لأعلى سعر، هذا المساء) وهناك أعمال أخرى لا تُشكل الأسرة محورها الرئيسي، ولكنها موجودة وفاعلة في خلفية الأحداث، مثل" مسلسل (كلبش، ظل الرئيس، الزيبق) وأيضاً المسلسلين الذين شكـلا وضعاً متميزاً، في مسلسلات رمضان (واحة الغروب، الجماعة2). 

 

وعلى الجانب الآخر، وبنظرة مدققة إلى التفاوت في العملية الفنية بين جناحيها، الشكل والمحتوى.. نجد أن هناك متغيرات كثيرة، أدت إلى ذلك أهمها، تعاظم دور شركات الإعلان والقنوات الخاصة التي تعتمد على أموال الإعلانات.. مما أدى إلى إنقلاب الهرم الفني الذي كان أعلى قمته المؤلف ثم المخرج، اللذان كانا يتحكمان في العملية الإبداعية.. وحل مكانهما البطل أو النجم، ذو الشعبية الكبيرة، التي تحقق لمسلسله نصيباً كبيراً من حصة الإعلانات. هذا الوضع الجديد ترتب عليه، غياب المؤلف الذي يمتلك وجهة نظر نقدية للحاضر ورؤية تُعيد تشكيل الواقع وتستشرف المستقبل.. وحل محله الآن في العملية الإبداعية ورش الكتابة، التي تتشارك فى كتابة النص، ونُصب عينيها البحث عن فكرة، تبرز مواهب النجم المتعددة.. وذلك من أجل أن ترتفع أسهمه في بورصة النجوم لاستغلاله إعلانياً.. أما ما يُقال عن القضية والهدف والرسالة فقد تراجع كثيراً تأثيرها.

 

ونتيجة لاعتلاء النجم قمة الهرم الفني، طفت على السطح منذ عدة أعوام، المسلسلات البوليسية، التي تعتمد على الأكشن والإثارة، والبطل الخارق الذي يجمع فى شخصه كل المهارات، وغالباً ما يكون موضوع العمل مقتبساً من أعمال أجنبية، ويتسم بالمعالجات الميلودرامية.. التي يسود فيها مشاهد القتل والعنف والدماء وممارسة البلطجة، والعصف بالقانون وأخذ الحق بالايدي، وقد ساهمت مثل هذه المسلسلات في نقل مثل هذه السلوكيات إلى الشارع، وخاصة المناطق الشعبية وفي القرى والنجوع، ولدى الصبية والشباب.. وهذا العام 2017عُرضت من هذه النوعية، خمس مسلسلات، ولكنها لم تحظى بالنجاح الذى حققته فى الاعوام السابقة.. وقد يكون من أسباب هذا التراجع ، تشبع المشاهد من هذه النوعية، التي قد لا يرى فيها نفسه أو مجتمعه بل أحداث تجري في عالم افتراضي.

 

وعلى سبيل المثال في شهر رمضان 2016 ..عُرضت بعض المسلسلات الاجتماعية التي حظي القليل منها بنسبة عالية من المشاهدة، وعلى الرغم من أننا تعلمنا من أساتذتنا في مجال الدراما التليفزيونية.. أن هذا النوع من الفن الذى يُعرض من خلال التليفزيون.. يرغب المشاهد أن يرى فيه نفسه وكأنه ينظر فى مرآة.. ويتعرف من خلاله على قضاياه ومجتمعه.. وأن أبطاله هم الناس العاديين.. وأحداثه تتسم بدرجة عالية من الصدق.

 

ولكن أعضاء اللجنة الفنية رأوا في عام 2016 أن معظم المسلسلات الاجتماعية اعتمدت على المعالجات الميلودرامية الصارخة، وأبطالها من الشخصيات الإستثنائية، والأحداث فيها تركز على ظواهر الفساد المختلفة.. من مخدرات ودعارة وخيانات زوجية واستخدام مسيء للمرأة.. وأعمال تكرس الخرافة والدجل والشعوذة.. بالإضافة إلى كثرة مشاهد التدخين والخمور بلا أي مبرر درامي.. هذا مع استمرار الظاهرة التي بدأت منذ عدة سنوات وهى الحوارات المتدنية والألفاظ البذيئة والسلوكيات المبتذلة.. التي اقتحمت المنازل وعلت أصوات المشاهدين بالشكوى منها.

باختصار، لم تحتو كثير من المسلسلات على نماذج إيجابية، فقد اختارت أبطالها من النماذج السلبية، مع اختلال في التوازن بين الخير والشر.. وقلة وجود معادل موضوعي يفتح نافذة أمل .. مما يؤكد أننا لم نتخلص من أسر أفكار ما قبل ثورة يناير.. وكأن المجتمع لم يقُم بثورتين ولم يعزل رئيسين ..وكأن السنين لم تمر بنا.. ودون إدراك للحظة الراهنة التي تستحق أن تجعلنا نبشر بمستقبل أفضل.

 

لذلك رأت اللجنة في عام 2016 للأسباب سالفة الذكر .. حجب الجائزة الثالثة.. والاكتفاء باختيار مسلسلين:

المسلسل الأول: مسلسل مكتمل العناصر الفنية والموضوعية.. موضوعه الرئيسي في صلب حقوق الإنسان.. ارتفع كاتبه ومخرجه على كل السلبيات التي امتلأت بها مسلسلات كثيرة.. فلا كلمة تخدش السمع ..ولا عنف دموي يؤذى البصر.

 

المسلسل الثاني: مسلسل اكتملت أيضاً عناصره الفنية والموضوعية.. ودار موضوعه في فلك حقوق الإنسان.. وكلا المسلسلين حصدا نسبة مشاهدة عالية، وشبه إجماع من النقاد.. وهو مؤشر يؤكد لصناع الدراما أن قطاع كبير من المشاهدين يفضلون رؤية مثل هذه النوعية من الأعمال، بل أن الإكثار منها سيساهم في استرجاع قوانا الناعمة الغائبة منذ عدة سنوات.

 

وفي عام 2015 رأت لجنة التحكيم أن الصورة الكلية لم تكن تتسم بالقتامة فهناك شعاع من الأمل ظهر من خلال دراما هذا العام بالمقارنة بالعام الماضي .. بدا هذا واضحاً من خلال تنوع الموضوعات المعروضة على الشاشة .. فالكثير منها تناول قضايا اجتماعية في مقابل انحسار في عدد مسلسلات العنف والقتل والدماء. وأكدت على أنه حدث تراجع نسبي في الحوارات المتدنية والسلوكيات المبتذلة التي امتلأت بها كثير من مسلسلات عام 2014.. وإن لم تخلو منها أيضاً بعض مسلسلات هذا العام. 

 

وفي ذات العام 2015 ظهرت خلاله الدراما عدداً من الوجوه الجديدة من الجنسين في مختلف المسلسلات .. كما كشفت أيضاً عن بعض المخرجين الجدد الذين أضافوا إلى الشكل الفني إيقاعاً وتطوراً.

 

ولكن يبقى أن أضعف العناصر في كثير من الأعمال الدرامية لهذا العام 2015 مثل سابقه .. هو النص وهو الأساس الذي يُبنى عليه كل العناصر الأخرى .. ويبدو أن ظاهرة الثلاثون حلقة التي فرضتها دراما رمضان ومحاولة الكاتب ملأ صفحات كثيرة في السيناريو تمتد على مدى أكثر من 20 ساعة عرض .. بينما نرى أحياناً أن الفكرة المطروحة في بعض المسلسلات لا تحتمل أكثر من نصف عدد الحلقات.. مما يضطر بعض الكتاب إلى اللجوء إلى الحشو والتطويل وإضافة خطوط ومشاهد وأحداث ميلودرامية مفتقدة للمنطق والتصديق .. مما يضعف من المستوى الفني بل قد تتوه القضايا التي يتناولها العمل تحت وطأة تفاصيل كثيرة لا ضرورة لها.

 

أيضاً على الرغم من وجود عدد من الأعمال الكوميدية التي بها عديد من الممثلين المتميزين بخفة الظل، ولكن عدم وجود رؤية أو نص يلتزم به الممثلون بالإضافة إلى الإيماءات والحوارات التي تتخللها ألفاظ متدنية، كل هذا أثر بالسلب على الأهداف التي سعى إليها صانعوا العمل، حتى لو كانت الرسالة هي التسلية والضحك.

 

كما لاحظت اللجنة في عام 2015 استمرار المسلسلات التي تُكتب للبطل الأوحد من كلا الجنسين وغالباً ما تكون مقتبسة من أعمال أجنبية دون الإشارة إلى المصدر (وهذا بالطبع يتناقض مع حق الملكية الفكرية التي تنُص عليها مواثيق حقوق الإنسان ) .. الأهم أن مثل هذه الأعمال التي تعتمد في الأغلب على الإثارة والتشويق وتركز في المقام الأول على مهارات وقدرات البطل أو البطلة .. قد لا يرى المشاهد فيها نفسه أو مجتمعه .. وترسل أيضاً رسائل ذات تأثير سلبي على بعض المشاهدين خاصة من الشباب والصبية المولعين بتقليد البطل أو البطلة في السلوك والمظهر. 

 

وأيضاً في الوقت الذي تحاول الدولة فيه إرساء دعائم دولة حديثة ترتكز أركانها على العلم وترسيخ التفكير العلمي، نرى في بعض مسلسلات هذا العام (2015) مشاهد وأحداث بل وأعمال تكرس للدجل والسحر والشعوذة. 

 

ولكل هذه الأسباب سالفة الذكر قررت لجنة التحكيم في عام2015حجب الجائزة الثالثة والاكتفاء باختيار مسلسلين .. رأت فيهما اكتمال عنصري الشكل الفني الجيد والمحتوى الذي يحمل قيماً لها مردودها الإيجابي على الفرد والمجتمع . ومنحت اللجنة أيضاً جوائز خاصة لعملين آخرين .. لأهمية القضايا التي تناولها كلٍ منهما وهى أيضاً تحمل قيماً ومعايير لحقوق الإنسان. 

 

وهناك تساؤل ملح، هل هناك تصور لدى صناع الدراما ..بأن معايير ومبادئ حقوق الإنسان، عندما تتضمنها بعض الأعمال الفنية .. تكون قيداً على الإبداع أو تنحو به نحو المباشرة أو الوعظ والإرشاد؟ 

 

أعتقد أن هذا التصور مرتبط بأسلوب التناول وموهبة وثقافة المبدع نفسه.. لأنه بدون فن عالي المستوى، يتعذر وصول معاني حقوق الإنسان للمشاهد.. وأعتقد أيضاً أننا جميعاً نتفق على أن الفن الأصيل له دور كبير في الارتقاء، بمستوى الوعي الذهني والحس الوجداني للإنسان.. يجعله أكثر تحضراً وإحساساً بالآخر، وأقوى انتماء وحباً لمجتمعه وأسرته، إلى آخر هذه الصفات الحميدة التي تساهم في تقدم الأمم.. وهى في نفس الوقت هى نفس المعاني التي تدعو إليها مبادئ حقوق الانسان.

 

عموماً كثير من المسلسلات، يمكن أن تحدث في أي مكان وأي زمان .. علماً بأننا نعيش سنوات مشحونة، بالأحداث والمشروعات القومية، والتحديات الداخلية والخارجية .. والعديد من القضايا الآنية والمُلحة، التي تؤَرّق المجتمع العربي والمصري على وجه الخصوص. 

 

ومن واجب القائمين على هذه الصناعة الضخمة والمؤثرة .. أن تقوم بالدور المُفترض، أن تقوم به .. وأن يتم ذلك وفق منهج وخطة مدروسة .. تضعها شركات الإنتاج بالتضامن مع المجلس الأعلى للإعلام، وأيضاً الهيئة الوطنية للإعلام .. ويضعوا في اعتبارهم، عملاً أو عملين يُسهم في إلقاء الضوء، على ما نعيشه من أحداث .. وما عشناه.

 

ولا نُغفل تاريخنا ورموزنا الوطنية، في مجالات الحياة المختلفة.. حتى يتواصل الماضي مع الحاضر .. وحتى يدرك الناس، معنى أن تكون مصرياً عربياً .. يُجاهد وما يزال، من أجل تثبيت مقوماته الثقافية والدينية والتاريخية .. في زمن نعيش فيه حروباً على جميع الجبهات .. وإرهاباً غير مسبوق .. يُنذر بالخراب والدمار .. إذا لم نستعد لمواجهته معنوياً وشعبياً .. بإيقاظ الوعي وتبصير المواطن، بالأخطار المُحدّقِة .. وبكيفية التصدي لخطاب الخرافة .. والتحريف المُخل للقيم الدينية .. واستغلال الدين سياسياً واجتماعياً، لتدمير حضارة من آلاف السنين.

 

توصيات:

• وضع خطة درامية تلبي احتياجات المشاهد في دراما مختلفة ومتنوعة تساهم في إذكاء فكره ووجدانه، وتنشئة أولاده وتنمية قيمة الانتماء والارتباط بالوطن.

• تنوع أشكال القوالب الدرامية فلا يقتصر على قالب الثلاثون حلقة .. التي تضطر المؤلف إلى الحشو والتطويل .. فهناك قالب الفيلم التليفزيوني الـ 7 حلقات والـ 15 حلقة وغيرهم من قوالب التعبير .. وهكذا ممكن تتحقق الإستفادة الأكبر من المصنف الفني .. الذي لا يقتصر عرضه على شاشات التليفزيون، بل يمكن نقله إلى أماكن التجمعات مثل (قصور الثقافة – مراكز الشباب – المراكز – القرى – وغيرها). 

• أن يُضاف محتوى مسلسل الرسوم المتحركة الذى تم اختياره إلى بنك المعرفة ويصبح مرجعاً، لطلبة المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ويكون البداية .. ويتبعه مسلسلات أخرى تحمل قيماً معرفية وثقافية، وتصبح الأعمال الدرامية بذلك، أسلوباً في تلقى العلم وإثراء الوعي، وتوسيع المدارك، وخاصة إذا كانت هذه الأعمال على مستوى عالي من الجودة الفنية والفكرية.

• وسط العديد من القنوات الرياضية، وقنوات الطبخ، وأخرى للدراما وغيرها ..جاء الوقت أن نفكر جدياً وخصوصاً ونحن فى سنوات بناء الإنسان .. أن نخصص قناة لدراما وبرامج الأطفال .. ويُقام صلة بينها وبين وزارة التربية والتعليم، حتى يستفيد كلٌ منهما من الآخر .. وأن يكون إنتاجها على درجة عالية من الجودة فى كل عناصره، حتى تستطيع جذب الطفل إليها.

وبذلك نحقق من خلال الأعمال الدرامية الجيدة، دوراً مجتمعياً هاماً، يساهم بالفعل في بناء الإنسان.