الحضارة وحقوق الإنسان

بقلم : بقلم رئيس التحرير/ عبد المعطي أبو زيد 
رئيس قطاع الإعلام الخارجي

مصر دولة ذات حضارة عريقة، بل هي مهد الحضارات الإنسانية، فعلى أرضها تلاقت وامتزجت حضارات عديدة عبر العصور.

 

هذه الحقيقة، لها علاقة بوجود وتجذر الرؤية المصرية لحقوق الإنسان منذ زمن بعيد، فلا يمكن أن تنشأ حضارة وتزدهر وتثمر بدون احترام حقوق الإنسان وفقاً لظروف ومعايير كل عصر.

 

كما أن سمة التسامح مع الآخر وقبوله والتفاعل مع ثقافات وحضارات الآخرين وانصهارها في المنتج الحضاري المصري، من أسمى مظاهر حقوق الإنسان وعدم التمييز، وإنعدام العنصرية، والانفتاح على الآخر واحترام التنوع والخصوصية.

 

من هذا المنطلق، جاء تفوق المصريين في الإبداع في مجالات الفنون والثقافة منذ العصور القديمة حتى اليوم، فالإبداع نتيجة طبيعية لمناخ يسمح بإطلاق طاقات البشر في التعبير عن مواهبهم وقدراتهم واحترام تميزهم.. فلا إبداع بدون حرية.

 

وفي العصر الحديث، وحتى عندما كانت مصر ولاية عثمانية، فقد تميزت دائماً عن بقية الولايات بمساحة من الحريات جذبت المبدعين من المشرق العربي ومن أوروبا نفسها، للعيش فيها والمساهمة مع المبدعين المصريين في إرساء نهضة حديثة في مجال المسرح والإعلام والصحافة، ثم السينما وفنون الأدب من روايات وقصص ومسرحيات وشعر وغيرها.

 

وفي حقبة تالية، مزج الشعب المصري كفاحه من أجل الاستقلال، بكفاحه من أجل الحريات: الحرية السياسية، وتحرير المرأة، وتحرير العقل، وبناء دولة المواطنة وفقاً للنظم السياسية والاجتماعية الحديثة، فكانت ثورة الشعب المصري في عام 1919، والتي تمر ذكرى مرور (100) عام عليها هذا العام، ثورة من أجل تحرير الوطن.. وتحرير الإنسان والعقل المصري، وتحرير الإبداع، وبناء دولة المؤسسات الحديثة والوحدة الوطنية.

 

ونتيجة لهذه الإرادة الوطنية، أنجبت مصر آلاف الرواد والمبدعين في مجالات الغناء، وفنون الأدب، والمسرح، والسينما، والفلسفة والفكر، والشعر، والعلوم، وغيرها.

 

وعلى الدرب نفسه، سارت مصر في المراحل التالية حتى اليوم، في كل مرحلة وفق ما يناسبها من معايير، تتطور وتتقدم من فترة لأخرى.

 

وهنا تبدو العلاقة المتبادلة بين الإبداع – في كل مجالاته – وحقوق الإنسان، فكما أنه لا إبداع إلا في مناخ من حريات التعبير عن الهوية والموقف، فإن الفن في ذاته حق من حقوق الإنسان دائماً، في الوقت نفسه، كانت إحدى القضايا الرئيسية في كل الفنون والآداب دائماً هى "حقوق الإنسان": حقه في احترام الكرامة الإنسانية، وفي التحرر وإعمال العقل، حقه في مقومات الحياة الكريمة من فرص العمل والعلاج والتعليم والأمن، حقه في احترام قيم المساواة، والعدالة، وحريات الاعتقاد والتعبير عن معتقداته.

 

هذه العلاقة التبادلية الأزلية بين الفنون وحقوق الإنسان، هي موضوع ملف هذا العدد الذي شاركت في مواده نخبة من ألمع المتخصصين والأساتذة، فضلاً عن مساهمات قيمة بأقلام كبار المبدعين المصريين الذين خصوا دورية "دراسات في حقوق الإنسان" بما قدموه من رؤى عميقة في هذا المجال.

 

وإلى جانب الأبواب والمتابعات الأخرى، نتمنى أن ينال هذا العدد اهتمام وقبول القراء المهتمين والمتخصصين.